لا تصعد بعض المشاريع السياسية بقوة الأفكار وحدها. إنها تصعد لأنها تتعلم كيف تحتل الغضب العام وتحول القلق الاجتماعي إلى هوية، حيث شهد العقد الماضي صعود نموذج سياسي تمدد داخل الديمقراطيات من دون أن يهجر شكلها الانتخابي، بينما كان يفرغ تدريجيا الثقافة الليبرالية التي تمنح الانتخابات معناها.

كانت لهذا النموذج جاذبية حقيقية؛ فقد قدّم نفسه بوصفه وعدا بالوضوح في زمن الإرهاق المؤسسي، وبوصفه طريقا لاستعادة الانتماء في مجتمعات أنهكها التفكك وفقدان الثقة. وأعاد تصوير التعددية باعتبارها ضعفا، والتسوية السياسية بوصفها ترددا، فيما تحدث باسم الشعب وهو يضيق المجال الذي يستطيع فيه الشعب أن يتكلم فعلا. وعلى هذا النحو احتفظ بالمظهر الديمقراطي، بينما كان يدفع الحياة السياسية نحو انغلاق متزايد.

وهنا تحديدا مكمن قوته؛ فهو لم يعلن الحرب على الديمقراطية بصراحة، وادعى أنه ينقذها من التمييع، ويعيدها إلى أصحابها الشرعيين، ويحمي الأمة من النخب، ومن الغرباء، ومن المخربين في الداخل. أعاد هذا النموذج، الذي أخذ يتمدد في العالم، تصوير المحاكم والجامعات ووسائل الإعلام المستقلة وغيرها من المؤسسات الوسيطة، بوصفها عوائق في وجه الإرادة الشعبية. أما المعارضة فقد ألبسها معنى أكثر قتامة، وأصبحت أقرب إلى العرقلة.

انتقل هذا النموذج عبر الحدود لأن الشروط التي غذّته لم تكن محصورة في بلد واحد، إذ أسهمت الأزمات الاقتصادية وانعدام الثقة في النخب السياسية والاقتصادية والثقافية وصدمات الهجرة في منح هذا النموذج دفعة قوية.

ومع ذلك، كانت الشعبوية القومية تحمل في داخلها نقاط ضعف، فالسياسة التي تقوم على التعبئة المستمرة يصعب الحفاظ على زخمها حين تفقد صفة التمرد، والحركات التي تستمد طاقتها من روح العصيان تواجه مأزقا بنيويا حين تبقى في الحكم وقتا طويلا. فالمتمرد يكتسب عادات المؤسسة التي كان يهاجمها، وعند هذه النقطة يبدأ الشحن العاطفي في التبدد، وما كان يبدو نابضا بالحيوية يبدأ في الظهور بوصفه مجرد تكرار.

تضع الحياة اليومية هذا النوع من النماذج السياسية أمام اختبار حقيقي. فالمظلومية الثقافية تستطيع أن تنظم القبول لسنوات لكنها لا تستطيع إلى ما لا نهاية أن تخفي الإرهاق الإداري، والفساد، وجمود الخدمات، أو الإحساس العام بأن المشروع الحاكم بات يحمي نفسه أكثر مما يخدم غاية وطنية.

ومن هذه الزاوية، تكتسب الحالة المجرية معناها الأوسع. فالتراجع الذي أصاب النموذج المرتبط بتجربة فيكتور أوربان يكشف أن الصيغة السياسية التي بدت لسنوات قابلة للترسخ والتمدد تحمل داخلها حدودا لم تعد قابلة للإخفاء.

ولا يصح فهم هذا التطور بوصفه إعلانا لنهاية الشعبوية أو إيذانا بعودة اليقين الليبرالي. فالدلالة الأهم هنا أكثر تحديدا: حتى أكثر النماذج السياسية إحكاما، حين تستند إلى طمأنينة الأغلبية، تظل خاضعة لأثر الزمن، ولاختبار الأداء، وللاستنزاف الذي يخلّفه الإفراط في السلطة.

وأُحيط هذا النموذج بقدر كبير من المبالغة؛ رآه بعضهم قوة لا تُهزم، وانتظر آخرون لحظة تصحيح ديمقراطي حاسمة. لكن الواقع السياسي أقل مسرحية من ذلك، فالنماذج من هذا النوع لا تختفي بانتخابات واحدة؛ فهي تترك وراءها مؤسسات صيغت على صورتها، ولغة عامة مثقلة بالريبة والخصومة والإرهاق. كما أن الشروط الاجتماعية التي غذّتها ما تزال حاضرة.

ومع ذلك، فإن ظهور شرخ في النموذج مسألة ذات دلالة. فهو يذكّرنا بأن أي مشروع سياسي لا يستطيع إلى الأبد أن ينجو من نتائج طريقته الخاصة. فالنظام الذي يتأسس على الاستقطاب قادر على مراكمة القوة لسنوات، لكنه يضيّق في الوقت نفسه من قدرته على التجدد.

تستحق هذه اللحظة الكثير من الانتباه لا لأنها تدفن حركة سياسية، ولا لأنها تمنح الليبرالية المتعالية تبرئة مريحة، وهي التي أسهمت بدورها في إنتاج الأزمة من الأصل. إنها لحظة تستحق الانتباه لأن نموذجا بدا زمنا طويلا واثقا من قابليته للتوسع بدأ يواجه حدوده من داخله، قبل أن يواجهها من خصومه.