المقال.. يأتي والحرب -حتى كتابة هذه السطور- معلّقة بين أمريكا وإسرائيل وبين إيران؛ بعد أربعين يومًا من الصراع المرير، فهو لا يقرأ الرأي المتداول في الحوارات التحليلية، ونوافذ التواصل الاجتماعي، وإنَّما يحاول أن يفهم «العقل العماني» عبر مراحله التاريخية. أمَّا بالنسبة للموقف العماني مِن الحرب الراهنة فلا لبس فيه، فهو ينطلق مِن ثوابت تأريخية وجغرافية وإنسانية ودبلوماسية تدركها الدولة، وتمارسها للتخفيف مِن الصراعات التي تجري في المنطقة منذ نصف قرن، يلخصها ما ورد في «بيان وزارة الخارجية العمانية»؛ الصادر بتاريخ: 29 من مارس 2026م: (وإذ تستنكر سلطنة عمان وتدين الحرب الجارية وكافة أعمال العنف والاستهدافات العسكرية على جميع دول المنطقة، فإنَّها تظل على عهدها وثوابتها الرصينة القائمة على ممارسة سياسة الحياد الفاعل، والداعي إلى إحلال السلام وتحقيق الأمن والاستقرار لجميع دول المنطقة، ووقف الحرب الدائرة، والعودة إلى الحوار والدبلوماسية؛ لمعالجة جذور القضايا ودواعي الصراع الراهن في المنطقة، حفاظًا على مقوماتها وسلامة شعوبها).
إنَّ العقل البشري عقل طولي، لا يمكن قراءته مبتورًا عن ماضيه، ولذا؛ لكي نفهم العقل العماني علينا أنْ نفهم مكوناته مِن بيئته المتكونة عبر التجارب التأريخية؛ ومِنها:
- الدولة وأنظمتها.. فالدولة الراسخة في عمان، والممتدة إلى آلاف السنين، هي مِن أهم عناصر تشكيل العقل العماني، وهي مدخل ضروري لفهم تعامله مع الأمور. ففي عمان -تأريخيًا- لا شيء فوق الدولة؛ بوصفها حاضنةً للاجتماع العماني بكل مكوناته، وبوصفها السلطة القادرة على مواجهة الخطوب التي تتهدد البلاد. مِن هذه الفلسفة.. لا نجد فرقًا جذريًا في التعاطي مع القضايا التي تهدد أمن عمان بين الشعب، وإنَّما هي وجهات نظر تتعاطى القضية مِن زوايا مختلفة، لأجل حقيقة واحدة تمثلها حكمة الدولة وآصرة الشعب.
إنَّ العماني لا يقبل الضيم مِن أيٍ كان، فهو يسارع إلى رفع الظلم مهما كان مصدره. وهو يضع ثقته في القيادة القوية لطرد المحتل، والحكيمة لتصحيح مسار الأحداث، كما حصل عند عبد وجيفر ابني الجلندى (ق:1هـ)، ثم الإمام ناصر بن مرشد اليعربي (ت:1059هـ)، ثم الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي (ت:1198هـ). إنَّ العماني يبذل نفسه في دفع صائلة الظلم عنه، وفي تحرير بلاده مِن المعتدين، لكنه لا يعيش المظلومية طوال تاريخه.. بل يتجه نحو مستقبل يسوده الأمن والاستقرار.
- الإسلام والتنوع المذهبي.. إنَّ الإسلام هو العروة الوثقى للعمانيين، وهم يعدّون الاختلاف المذهبي مدارس داخله. ولذلك؛ فإنَّ النعرات الطائفية التي شهدتها المنطقة تهاوت أمام السور العماني المسلم. ففي عمان.. لا تستغرب أنْ يوضِّح السني الرأي الإباضي، ويدافع الإباضي عن المكوِّن الشيعي، وأنْ تكون أطروحات الفكر الإباضي ذات مرجعية سنية. والنقاش المذهبي في عمان.. نقاش فكري؛ قد تجده في البيت الواحد دون أنْ يثير حساسية اجتماعيةً، هذه ثقافة ممتدة بطول التاريخ العماني وعرض الجغرافيا العمانية.فالعماني.. لا ينحاز مع فئة أو دولة؛ لمذهبها الديني أو أصلها العرقي أو توجهها الثقافي، وإنَّما يتعامل مع القضايا بفهمها أولًا، ثم بالإسهام في علاجها، ولا يهملها حتى تؤثر سلبًا على النسيج الاجتماعي. فإنْ تتبعت ما يكتبه العمانيون بمختلف توجهاتهم تجده غالبًا ينحو هذا المنحى، وهذا نابع من خارطتهم التاريخية الطويلة.
العقل العماني.. لا ينظر للفكر الديني بأنَّه ثابت؛ إلا في مبادئه العليا ونصوصه المنزلة وقيمه الأخلاقية. فمثلًا؛ إيران لم يحكمها دين واحد، فهي قبل الإسلام زرادشتية، والعرب مشركون، ثم أصبحوا جميعًا أمة مسلمة. فإيران.. كان بها مختلف المذاهب الإسلامية؛ سنة وشيعة ومعتزلة وزيدية وإباضية، ولا زال السنة موجودين في إيران بكتلة كبيرة. ودول الخليج.. كذلك؛ ليس لها صبغة مذهبية واحدة، ففيها السنة بمذاهبها الفقهية، والشيعة بأفكارها العقدية، والإباضية بتجربتها السياسية. ولو استثنينا التشكّل السياسي الأول الذي مر به المسلمون؛ فإنَّ منطقة الخليج لم تشهد اضطهادًا مذهبيًا، إلا في العصر الحديث بتحريض استعماري. إنَّ العماني يدرك هذا المسار بوعي ناضج؛ فلا مشكلة لديه مع المذاهب التاريخية.
لقد أسهم كل أعراق الأمة من عرب وفرس وهنود وترك وأمازيغ ونحوهم في بناء الثقافة الإسلامية، ومنها تشكيل النظرية السياسية «السياسة الشرعية»، في كل المذاهب الإسلامية؛ سنة وشيعة وإباضية، والعمانيون استفادوا من هذه المدارس.
- السياسة وتحولاتها.. لا يقف العماني بنظره عند لحظته الأخيرة، وإنَّما يمد ناظريه إلى التاريخ السياسي بكونه عنصرًا متغيرًا. فإيران الإسلامية.. ليست هي إيران الزرادشتية، والقاجارية ليست الصفوية، وإيران الثورة ليست البَهلوية. والعماني.. خبر هذه التحولات، وتعامل معها مباشرة. فقبل الإسلام.. كانت في عمان حاميات «دساكر» فارسية، ولما دخل العمانيون الإسلام خيّروا الفرس بين الإسلام أو خروجهم مِن بلادهم، فخرج مَن خرج وأسلم مَن أسلم.
ثم مرت على عمان في الإسلام تجارب سياسية متنوعة، جعلت العمانيين يتعاملون معها بحكمة وحزم واتزان؛ وهي تدخلات سياسية من الفرس والعرب على حد سواء، فقد حكم مناطق من عمان البويهيون الفرس (355-403هـ)؛ وهم شيعة زيدية ممثِلين للعباسيين العرب السنة، كما حكمها بنو مكرم (390-465هـ) وحكم بعض مناطقها في القرن التاسع الهجري العرب الجبور من الأحساء. وفي سبعينات القرن الميلادي المنصرم.. استعان السلطان قابوس بن سعيد طيّب الله ثراه (ت:2020م) في حربه على الجبهة اليسارية بالإيرانيين الفرس والأردنيين العرب. كل هذه الظروف هي طارئة بنظر العمانيين؛ ينبغي ألا تتحكم بالمستقبل. وهي تجارب سياسية لا ينظر العماني إليها إلا بكونها صراع نفوذ سياسي مؤقتًا، فهو يغلّب الاستفادة مِن التاريخ وتجاربه، صادًّا عن بلاده شرور الحرب وبلاء الصراع، ودافعًا بالمنطقة عمومًا نحو الاستقرار والرخاء.
- الموقع الجغرافي.. لا أحد -مهما أوتي مِن قوة- يستطيع أنْ يغيّر الواقع الجغرافي، لقد أتى الغزاة إلى المنطقة؛ منذ الاسكندر الأكبر (ت:323ق.م)؛ فتخطّفه ريب المنون شابًا قبل أنْ يحكم قبضته عليها. ثم جاء البرتغاليون وعاثوا فسادًا في الأرض؛ فلم يلبث العمانيون طويلًا حتى قاموا قومة واحدة صلبة، فانبرت القبائل بسيف الدولة اليعربي البتّار في طرد المستعمر. ثم جاء البريطانيون والفرنسيون ورحلوا؛ وسيرحل الأمريكان؛ مِن دون شك، والمنطقة باقية كما هي؛ بشعوبها وأعراقها وثقافاتها ومذاهبها. فالأرض هي أم الإنسان، ومَن يظن أنَّ أي شعب بمقدوره أنْ تكون له الغلبة ويقضي على غيره أو يقصيه؛ فهو يعيش وهمًا اجتماعيًا، ويفكر خارج منطق التاريخ.
في مقال «عمان وإيران.. الجغرافيا ترسم التاريخ».. المنشورة في جريدة «$» بتاريخ: 6/ 6/ 2023م قلت: إنَّ (هذا التجلي للعلاقات المتميزة بين البلدين «عمان وإيران»؛ لم يصنعه تبادل المصالح بينهما في ظل المتغيرات التي يفرضها الواقع وحده، وإنَّما هو خط طويل مِن التأريخ الذي رسمته الجغرافيا، فكما أنَّ هناك وجودًا فارسيًا بعمان؛ فقد وجدت قبائل عمانية بإيران). في عمان.. لا ننظر للعرق نظرة استعلاء، ولا للمذهب نظرة تعصب. إنَّنا ننظر إلى التاريخ كله؛ بناسه وأديانه ومذاهبه ومصالحه في مسار مترابط. فالعربي والفارسي.. لا ينبغي أن يعيشا في صراع مستمر، فهما مكوِّنان للاجتماع في منطقة الخليج، وستتبدل الأنظمة ويبقى الإنسان والمكان.
إنَّ مما فاقم المشكلة في منطقة الخليج؛ اشتغال الحكومات على ضفتيه بالسياسة، وإهمال العلاقات الاجتماعية والدراسات الإنسانية، فنحن العرب الخليجيين نعرف الأوروبي أكثر مما نعرف الإيراني، والإيراني لا يكاد يعرفنا. هذه اللحظة مِن التوتر -وهي خطرة ومدانة في كل اعتداءاتها- ليست حالة طبيعية، وإنَّما نتيجة تنافس سياسي لحظي، والعماني لن يفرّط في أشقائه الخليجيين والعرب، والحكومة العمانية.. تقوم دائمًا بدروها بالتنسيق مع الحكومات الخليجية لصالح استقرار المنطقة وازدهارها.