كنت أجلس وحدي في زاوية مقهى ما، أحاول أن استمتع بعزلة قصيرة بعيدا عن ثرثرات الأشياء من بشر وشوارع وأهل وأصدقاء وزملاء، أحتاج كثيرا إلى عزلة كهذه، وهى عزلة مؤقتة وهشة بالمناسبة، فقد يخرقها شخص ما يدخل ضاحكا وصاخبا ومليئا بالحب القاتل؛ لتنهمر على رأسي أسئلة وأخبار مدينة صغيرة وضيقة جدا ولا مجال فيها للهرب إلى الداخل، ففي كل مكان فيها ثمة شخص طيب ينتظرك؛ ليسألك عن أخبار العالم وأخبارك وأخبار الطقس غدا، فجأة دخل شاب وفتاة كانا صديقين لي منذ فترة لم أرهما منذ سنتين لماذا لم يتزوجا بعد؟
لا أعرف، سلّما عليّ بحرارة متعبة، واتجها إلى أقصى المقهى، هناك جلسا صامتين كنت أجلس مقابلهما تماما، ولم أستطع أن لا أنظر إليهما بين الحين والآخر، كانا ينظران عبر النافذة صامتين إلى الأفق، لم ينظرا في ﻭﺟﻬﻲْ بعضهما البعض، كان دخان سيجارتهما يهرب من النافذة، دخانه يتراجع إلى الخلف، في السابق كنتُ أرى دخان سجائرهما يشتبك ويتداخل كأنه خارج من سيجارة واحدة ما الذي حدث؟ أين جنونهما ببعضهما البعض؟ أين ضحكاتهما العالية أين أياديهما المتشابكة؟ فجأة قفزت صورة البنت الغريبة التي أحببتها ذات خريف بعيد ورائع، تعرفتُ عليها فجأة، وفجأة أيضًا وفي اليوم نفسه حكت لي عن أدق وأخطر أسرارها، وحكيتُ لها عن أدق همومي وأغرب هواجسي، أوشكنا على البكاء معًا، كانت رسامة وكنت قاصًا، كانت غريبة وكنت غريبًا، والتقينا في اليوم نفسه في مدينة بعيدة ووفية ولا تفشي أسرار عشاقها لأحد، مشينا كثيرًا كثيرًا، ثرثرنا، ضحكنا، قطفنا بلصوصية رائعة ورد حدائق البيوت المحاذية للطرق، أمسكتْ يدي وأمسكت دمعتها، وهطلنا حنينا إلى بيت وأولاد وقهوة صباح جميل وأصدقاء وغيوم معلقة على نوافذنا تستأذن بالدخول..
في طريق العودة وبينما كنا ننام في السيارة كل على قلب الآخر، همست لي: كان يومًا رائعًا وغريبًا، ولكنه سيكون يومًا عاديًا جدًا لو كررناه، دعنا نصنع منه أيقونة، قلت لها: لم أفهم، أجابت: حتى نحافظ على نقاء هذا اليوم علينا أن لا نعكره بالتكرار، دعنا نبقيه يتيمًا ووحيدًا حتى نتذكره دائمًا، وداعًا يا صديقي وتذكر أن البدايات دائمًا أجمل، لو عدنا إلى هذا المكان مرة أخرى، سيفقد المكان سحره والعلاقة معك ستصبح عادية جدًا ومملة، لقد أمضيت معك وقتًا سعيدًا جدًا، هو أجمل أيام حياتي، من أجل ذلك لا أريد أن أفقده أبدًا، سأحتفظ به في قلبي وروحي، وستكون أنت فارسه وصهيله، نعم أنت صهيل هذا اليوم.
اعتقدت أنها تمزح، ولكنها كانت جادة جدا، تركتني هكذا ببساطة أنا الذي كنت أبكي معها على سفر طويل قبل دقائق، وكنت أقول لها، لقد وجدت مينائي بعد طول إبحار، وكانت تقول لي: لقد عثرت على كهفي بعد طول صحراء هل البدايات دائمًا أجمل ؟ لا أدري.
رأيت صدفة في ليلة الفقد نفسها محمود حميدة الفنان المصري الذي أحب، وهو يقول للمذيعة ردا على سؤالها: لماذا تأتي إلى حفلات الأصدقاء متأخرا وتغادر مبكرا؟ قال: حتى أبقى عالقا في مدار دهشتهم وشغفهم.
وتذكرت مصطفى العقاد المخرج السوري العظيم الذي استشهد ضحية قتل غادر في عمان، وهو يعلّي مذياع حفلة زفاف ابنته، ويعلو معها الصخب، ويطير الرقص، وفجأة يطفئ المخرج العظيم المذياع أمام دهشة الحضور، وحين تسأله العروس: لماذا أطفأت الموسيقى يا أبي؟ ويجيب أجابته الرائعة: حتى لا نصل إلى الذروة فالذروة موت يا بنتي، دائما توقفي قبل القمة حتى تبقى الحياة خضراء.
هل كانت صديقتي الغربية على حق حين اعتقدت أن الأيام الجميلة تفقد سحرها لو كررت؟ لا أدري؟ كل ما أدريه أنني لم أنسَ ذلك اليوم أبدًا، ولم أنسَ صديقتي الغريبة التي اختفت نهائياً ولم أرها بعد ذلك، لماذا تذكّرتُ ذلك اليوم العجيب الرائع الآن؟ هل لأقنع نفسي أن سبب هذا الجفاء الغريب الذي أراه أمامي في علاقة الشاب والفتاة سببه تورطهما في تكرار البداية والضحك والكلام؟ وهل يعني هذا أنني أقترح ألّا تتواصل العلاقات العاطفية لأكثر من يوم حفاظًا على حب مرشح لموت أو لانطفاء؟ لا جواب لدي، ليس عجزاً أو جبنًا، بل رغبة في عدم التورط في تنظير، فأنا أحبّ إثارة الأسئلة أكثر من الإجابات الحاسمة النهائية.
ما زالا صامتين لم يتكلما أبدأ فقط يدخنان، يهربان من نظراتهما إلى الأفق ما زلت وحدي استمتع بعزلة قابلة الموت.