كتب - يوسف الحبسي وعبدالعزيز العبري / "تصوير: شمسة الحارثية"


استعرضت الندوة التوعوية حول "قانون الإعلام الجديد لعام 2024 في سلطنة عُمان"، التي نظمتها جامعة السلطان قابوس ممثلةً بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية وجمعية الصحفيين العُمانية صباح اليوم، أبرز التحولات التشريعية والتنظيمية التي جاء بها القانون ولائحته التنفيذية الصادرة عام 2025، ودورهما في تنظيم القطاع الإعلامي وتعزيز الوعي القانوني لدى طلبة الإعلام والإعلاميين الشباب والمهتمين بالتشريعات الإعلامية.
رعى الندوة سعادة الشيخ راشد بن أحمد الشامسي، وكيل وزارة التنمية الاجتماعية لشؤون الأسرة وتنمية المجتمع.
يأتي تنظيم الندوة في سياق مواكبة صدور قانون الإعلام ولائحته التنفيذية، بوصفهما الإطار التشريعي والتنظيمي الحديث للقطاع الإعلامي في سلطنة عُمان، كما تعكس الشراكة بين المؤسسات الأكاديمية والمهنية في نشر الثقافة القانونية الإعلامية، وتعزيز وعي طلبة الإعلام والإعلاميين الشباب بالبنية التشريعية المنظمة للعمل الإعلامي.
كما تهدف الندوة إلى بناء وعي قانوني إعلامي راسخ لدى الطلبة، وتمكين المشاركين من فهم السياق التشريعي للقانون واستيعاب منظومته التنظيمية الحاكمة للأنشطة والمؤسسات الإعلامية، إلى جانب تعزيز التكامل بين المؤسسات الأكاديمية ومؤسسات المجتمع المدني في مجال التثقيف الإعلامي القانوني.
وقال المكرّم الأستاذ الدكتور عبدالله بن خميس الكندي، رئيس قسم الإعلام بجامعة السلطان قابوس، في كلمته خلال افتتاح الندوة: إن قانون الإعلام العُماني الصادر في نوفمبر 2024 ولائحته التنفيذية الصادرة مطلع عام 2025 يمثّلان تطورًا تشريعيًّا مهمًّا في تنظيم قطاع الإعلام والاتصال في سلطنة عُمان، ويعكسان توجهًا نحو إطار قانوني أكثر شمولًا لمختلف مجالات العمل الإعلامي.
وأضاف: إن القانون الجديد يأتي امتدادًا لمسار تشريعي بدأ منذ عام 1975، مرورًا بقانون عام 1984 الذي استمر قرابة أربعة عقود، وصولًا إلى قانون الإعلام الحالي الذي جاء مواكبًا للتحولات التي يشهدها القطاع، موضحًا أن من أبرز ما يميّز القانون جمعه مختلف جوانب الإعلام في قانون واحد، وإلغاءه عددًا من القوانين المتفرقة ذات الصلة، بما يعزّز تكامل المنظومة القانونية المنظمة للعمل الإعلامي.
وأشار إلى أن أهمية الندوة تتمثل في تعزيز الوعي بمضامين القانون ولائحته التنفيذية، وتهيئة جيل من الإعلاميين والطلبة لفهم المسارات القانونية والمهنية التي تحكم العمل الإعلامي، بما يسهم في بناء ممارسة إعلامية أكثر إدراكًا بالحقوق والواجبات، مبينًا أن القوانين بطبيعتها تخضع للقراءة والمراجعة والتطوير وفق المستجدات، وهو ما يستدعي استمرار النقاش العلمي والمهني حولها والانتقال مستقبلًا من التوعية بمضامينها إلى قراءات نقدية متخصصة تسهم في تطويرها.
من جانبه، قال الدكتور خالد بن راشد العدوي، رئيس لجنة الحريات بجمعية الصحفيين العُمانية: إن القانون الجديد أرسى عددًا من المبادئ الأساسية، من بينها ضمان حرية الرأي والتعبير في إطار من المسؤولية والالتزام بالقانون، وتنظيم مزاولة الأنشطة الإعلامية وفق ضوابط واضحة تعزز المهنية وترسّخ الشفافية، إلى جانب تحديد الحقوق والواجبات للإعلاميين والمؤسسات الإعلامية بما يحقق التوازن بين الحرية والمسؤولية.
وأضاف: إن من أبرز ما يميز القانون سعيه إلى الانتقال من الطابع التقليدي في التنظيم إلى منظومة حديثة تقوم على الحوكمة والتنظيم المؤسسي، مع مراعاة خصوصية المجتمع العُماني وثوابته، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود النصوص القانونية فحسب، بل في فهمها واستيعابها وتطبيقها بالشكل الصحيح، وأن التوعية بمفردات القانون تمثل ضرورة مهنية تسهم في تمكين الإعلامي من ممارسة دوره بثقة وإدراك حدود مسؤولياته، وبناء إعلام وطني مهني يعكس صورة سلطنة عُمان ويواكب طموحاتها التنموية.
الجلسة الأولى
وفي الجلسة الأولى، ناقشت الندوة السياق التشريعي والبنية العامة لقانون الإعلام والمبادئ المنظمة لحرية الرأي والتعبير وتنظيم التراخيص والأنشطة الإعلامية، حيث أكدت أن القانون يمثل تحولًا تشريعيًّا مهمًّا في تنظيم القطاع الإعلامي في سلطنة عُمان، من خلال توحيد الأطر القانونية السابقة في قانون واحد، واستيعاب التطورات المتسارعة في الإعلام الرقمي، وترسيخ التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية.
وفي هذا السياق، أشار الدكتور محمد بن علي الهنائي، مدير عام المطبوعات والمصنفات الفنية بوزارة الإعلام، إلى أن قانون الإعلام الجديد ألغى ثلاثة قوانين سابقة كانت تنظم قطاع الإعلام، ودمجها في إطار تشريعي موحد يشمل مختلف الأنشطة الإعلامية، مبينًا أن القانون ينظم الصحف والقنوات السمعية والمرئية ووكالات الأنباء ودور النشر والمواقع والحسابات الإخبارية والأنشطة الإعلامية الإلكترونية، إلى جانب الأنشطة التي قد تُستحدث مستقبلًا.
وقال: إن القانون استند إلى النظام الأساسي للدولة و"رؤية عُمان 2040"، ومرّ بعدد من مراحل المراجعة والمناقشة بمشاركة مجلسي الدولة والشورى ووزارة الإعلام وجمعية الصحفيين العُمانية وإعلاميين وأكاديميين ومؤسسات إعلامية، بما أسهم في صياغة قانون شامل يراعي الجوانب المهنية والتنظيمية والحقوقية.
وأضاف: إن من أبرز ما تضمنه القانون تحديد الحقوق والحريات التي يتمتع بها مزاولو الأنشطة الإعلامية، وبيان المحظورات على سبيل الحصر، وكفالة حق الرد والتصحيح، وتقليص عقوبة السجن إلى أضيق نطاق، مع إتاحة الغرامة بديلًا عنها في بعض الحالات، إلى جانب تجريم الاعتداء على مزاولي الأنشطة الإعلامية أو تعطيل أعمالهم.
وأكد أن فهم التشريعات الإعلامية أصبح ضرورة مهنية للعاملين في المؤسسات الإعلامية وفي الفضاء الرقمي، داعيًا إلى إدراج مقررات متخصصة في التشريعات الإعلامية ضمن برامج الإعلام، وتعزيز الوعي القانوني لدى الممارسين، والالتزام بالمعايير المهنية، والاستخدام الواعي للذكاء الاصطناعي بما يحفظ الحقوق ويعزز مصداقية المحتوى.
من جانبه، تناول الدكتور أحمد بن سعيد الجهوري، محامي ومستشار قانوني، المبادئ المنظمة لحرية الرأي والتعبير، موضحًا أن القانون لا يستهدف تقييد الحرية بقدر ما ينظمها وفق موازنة بين الحق في التعبير والمصلحة الإنسانية والوطنية العليا.
وبيّن أن الممارسة الإعلامية قد تضع الصحفي أو صانع المحتوى أمام مواقف تتطلب تغليب الكرامة الإنسانية أو المصلحة الوطنية على اعتبارات السبق والنشر الفوري، مشيرًا إلى أن استحضار هذه المبادئ يجعل الممارسة الإعلامية أكثر اتساقًا مع روح القانون وغاياته، ويؤكد أن حرية التعبير تمارس في إطار من المسؤولية والأدب واحترام حقوق الآخرين.
بدوره، تطرق الدكتور حسني محمد نصر، أستاذ الصحافة والنشر الإلكتروني بجامعة السلطان قابوس، إلى تنظيم التراخيص والأنشطة الإعلامية، مؤكدًا أن القانون نقل تنظيم الممارسة الإعلامية من تشتت تشريعي إلى إطار موحد، وأعاد تعريف الإعلام والفاعل الإعلامي ليشمل الأفراد والمؤسسات والكيانات التي تمارس النشاط الإعلامي، بما في ذلك الفضاء الرقمي.
وأوضح أن فلسفة القانون تقوم على "الحرية المسؤولة"، من خلال كفالة حرية الإعلام والتعبير وحق الوصول إلى المعلومات، مقابل الالتزام بحماية النظام العام والقيم المجتمعية، لافتًا إلى أن القانون حظر الرقابة المسبقة على الأنشطة الإعلامية، واتجه إلى الرقابة اللاحقة والمتابعة عبر الالتزامات القانونية.
وناقشت مداخلات الجلسة أبرز الجوانب التطبيقية المرتبطة بقانون الإعلام العُماني الجديد، وفي مقدمتها تنظيم بعض الأنشطة الإعلامية في البيئة الرقمية، وتصنيف النشرات غير الدورية، وحدود التراخيص، واحتياجات الطلبة والخريجين للتدريب والتأهيل المهني.
وناقشت الجلسة الثانية أبرز الضوابط المنظمة للممارسة الإعلامية، وما تضمنته اللائحة التنفيذية من إجراءات تفصيلية تكفل تنظيم الأنشطة الإعلامية في البيئة التقليدية والرقمية، إلى جانب إبراز العلاقة بين الالتزام القانوني وأخلاقيات الممارسة المهنية.
وأكدت الدكتورة موزة بنت عبدالله الرواحية، أستاذ الصحافة والنشر الإلكتروني بقسم الإعلام بجامعة السلطان قابوس، أن قانون الإعلام العُماني لعام 2024 جاء استجابة للتحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع الإعلامي، ولتنظيم دور الإعلام في التأثير على الرأي العام وتشكيل الوعي المجتمعي، موضحة أن القانون أرسى توازنًا بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية بما ينسجم مع قيم المجتمع العُماني وثوابته.
واستعرضت أبرز ضوابط مزاولة الأنشطة الإعلامية، مبينة أن القانون ارتكز على الترخيص، والالتزام بنطاقه، والرقابة القانونية بما يضمن إعلامًا مسؤولًا، مشيرة إلى أن نطاق تطبيقه يشمل الأفراد والمؤسسات والأنشطة الإعلامية التقليدية والرقمية، بما فيها المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي ذات الطابع الإعلامي.
وتطرقت إلى أهم الحقوق التي كفلها القانون للإعلامي، ومنها حق نشر وبث المعلومات التي لا يحظرها القانون، واستقلالية أداء العمل الإعلامي، وحماية سرية المصادر إلا في الحالات التي تمس الأمن الوطني والدفاع، إلى جانب إتاحة العمل في أكثر من نشاط إعلامي وفق الضوابط المقررة، مؤكدة في المقابل أن القانون ألزم الإعلامي بالحصول على الترخيص، والالتزام بالقيم المهنية، وعدم انتهاك حقوق الآخرين، والتقيد بسياسة المؤسسة الإعلامية في إطار القانون.
من جانبه، أوضح الدكتور عبدالوهاب بخنوفة، أستاذ مشارك بقسم الإعلام بجامعة السلطان قابوس، أن اللائحة التنفيذية لقانون الإعلام تمثل خارطة طريق إجرائية لتطبيق القانون، وتترجم مبادئه العامة إلى إجراءات عملية تنظم بيئة العمل الإعلامي، مبينًا أن فهم الجوانب القانونية والإجرائية لم يعد عائقًا أمام الإعلامي، بل أداة احترافية تعزز قدرته المهنية وتحميه أثناء الممارسة.
وأشار إلى أن اللائحة التنفيذية وسعت نطاق التنظيم ليشمل مختلف أشكال الإعلام الحديث، ومنها المواقع الإخبارية والبودكاست الإخباري وصناعة المحتوى والحسابات الإخبارية الشخصية، كما نظمت إجراءات الترخيص والتجديد والجزاءات الإدارية والمالية، وكرست الانتقال من الرقابة المسبقة إلى الرقابة اللاحقة القائمة على المسؤولية المهنية.
وقدمت الدكتورة فاتن بن لاغة من قسم الإعلام بجامعة السلطان قابوس في مداخلتها العلاقة بين قانون الإعلام الجديد وأخلاقيات الممارسة المهنية، موضحة أن القانون حقق قدرًا من التوازن بين الحماية القانونية للإعلامي والالتزامات المهنية التي تضبط أداءه، من خلال كفالة حرية النشر والاستقلالية المهنية وحماية المصادر، وحظر نقل الإعلامي إلى وظيفة غير إعلامية دون سبب مشروع.
وبيّنت أن كثيرًا من مضامين القانون تتقاطع مع مبادئ ميثاق الشرف الإعلامي، لا سيما فيما يتعلق بحرية التعبير، وحماية المصادر، والاستقلالية المهنية، واحترام الخصوصية، والالتزام بالمصلحة العامة، مشيرة إلى أن القانون الجديد أضاف جوانب أكثر وضوحًا في تعريف الإعلامي وتنظيم الترخيص وتوسيع نطاق التطبيق ليشمل البيئة الرقمية.
ودعت إلى تطوير ميثاق الشرف الإعلامي بما يواكب الإعلام الجديد ومنصات التواصل الاجتماعي، من خلال إدراج مفاهيم تتصل بالإعلامي الرقمي، ومسؤولية التحقق من المحتوى، والتمييز بين الرأي والخبر، وحماية الإعلامي من الضغوط الرقمية، بما يعزز تكامل الإطار القانوني والمهني في تنظيم العمل الإعلامي.
وجاءت مداخلات الجلسة حول تساؤلات تتعلق بتنظيم الإعلام المؤسسي، وحق الوصول إلى المعلومات، والحاجة إلى سياسات إفصاح أوضح تضمن سرعة استجابة المؤسسات لأسئلة الرأي العام ووسائل الإعلام.
وتناولت المداخلات دور الأسرة في حماية الأطفال من التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب مناقشة الحدود الفاصلة بين حرية التعبير في المنصات الرقمية والممارسة الإعلامية التي تستوجب الترخيص.