حاورتها: مريم البلوشي
في ظل الحضور المتنامي للرياضة النسائية في سلطنة عمان، تبرز رامية المنتخب الوطني للناشئات رفال بنت هلال الحارثي كإحدى المواهب الصاعدة التي استطاعت أن تفرض حضورها في مشهد المنافسات الرياضية، بعد أن نجحت في تحقيق الميدالية البرونزية في البطولة العربية للرماية، إلى جانب تكريمها ضمن المجيدين في القطاع الرياضي من قبل وزارة الثقافة والرياضة والشباب لعام 2025م، في تقدير يعكس حجم الجهد المبذول والإنجاز المتحقق على أرض الواقع، ويأتي هذا التميز ليؤكد أن الرياضة النسائية في سلطنة عمان تسير بخطى ثابتة نحو صناعة أسماء قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا، في مختلف الألعاب الرياضية.
وهذا الحضور اللافت كان نتيجة مسيرة متدرجة من العمل والانضباط، بدأت بخطوة بسيطة داخل ميادين التدريب، وتحولت مع الوقت إلى مشروع بطلة تمتلك رؤية واضحة وطموحًا متصاعدًا نحو المستقبل، مدفوعًا بالإصرار والدعم المستمر من الأسرة والمدربين والجهات الرياضية المعنية، وقد استطاعت رفال خلال فترة قصيرة نسبيًا أن تنتقل من مرحلة التجربة إلى مرحلة الإنجاز، لتثبت أن الموهبة حين تقترن بالالتزام يمكن أن تصنع فارقًا حقيقيًا في مسار أي رياضي.
وفي هذا الحوار، تتحدث رفال الحارثي عن تفاصيل رحلتها منذ البدايات الأولى، وتستعرض أبرز محطات مسيرتها في رياضة الرماية، إلى جانب التحديات التي واجهتها على المستويين الفني والنفسي، والدروس التي اكتسبتها من الاحتكاك بالمنافسات المحلية والدولية، وصولًا إلى طموحاتها المستقبلية التي تتجاوز حدود الإنجاز الحالي نحو منصات أكبر في عالم الرماية.
البدايات والشغف
قالت رفال الحارثي إن بدايتها مع رياضة الرماية لم تكن نتيجة تخطيط مسبق، بل جاءت بدافع تجربة جديدة خلال الإجازة الصيفية، مشيرة إلى أن والدتها كانت الداعم الأول وصاحبة القرار في تسجيلها ضمن برنامج الناشئين، رغم ترددها في البداية، وأكدت أنها لم تكن تمتلك أي خلفية عن هذه الرياضة، حيث كانت تمارس أنشطة مختلفة مثل كرة السلة والبولينج، إلى جانب مشاركاتها في الرياضة المدرسية.
وأضافت أن التجربة الأولى كانت نقطة التحول، حيث بدأت تدريجيًا تكتشف شغفها بهذه الرياضة، خاصة مع كل تدريب وكل رمية كانت تشعر فيها بتطور واضح، وأوضحت أن تحقيق مراكز متقدمة في المنافسات المبكرة أسهم في تعزيز ثقتها بنفسها، ودفعها للاستمرار رغم التحديات.
وأشارت إلى أن انطلاقتها الرسمية كانت في صيف عام 2018، عندما التحقت ببرنامج الناشئين في الاتحاد العماني للرماية، حيث خضعت لتدريب قصير على البندقية، ثم دخلت المنافسات مباشرة، وتمكنت من تحقيق مركز متقدم، وهو ما اعتبرته البداية الحقيقية لمسيرتها.
وأكدت أنها انتقلت لاحقًا إلى التدريب على المسدس ضمن برنامج أكثر تخصصًا، وتمكنت من تحقيق المركز الأول على المستوى المحلي، موضحة أن هذا الإنجاز منحها دافعًا كبيرًا للاستمرار، ورسخ قناعتها بأن الرماية ليست مجرد تجربة، بل مسار يمكن أن تحقق فيه إنجازات حقيقية، كما أشارت إلى أن هذه المرحلة علمتها الكثير من القيم، مثل الصبر والانضباط، وأهمية الالتزام بالتدريب، مؤكدة أن كل تجربة تمر بها، سواء كانت ناجحة أو مليئة بالتحديات، تمثل خطوة مهمة في بناء شخصيتها الرياضية.
البطولة العربية
أكدت رفال أن مشاركتها في البطولة العربية للرماية التي أقيمت في المجمع الوطني الأولمبي للرماية بمسقط عام 2025 كانت من أبرز المحطات في مسيرتها، حيث شاركت في منافسات المسدس الهوائي 10 أمتار للناشئات، وسط منافسة قوية من أكثر من 15 دولة عربية، وقالت إن مستوى البطولة كان مرتفعًا جدًا، حيث ضمت نخبة من أفضل الراميات العربيات، وهو ما جعل كل جولة تتطلب تركيزًا عاليًا وثباتًا نفسيًا كبيرًا، وأضافت أن الأجواء الاحترافية والتنظيم المتميز أضفيا شعورًا بالفخر، وفي الوقت نفسه زادا من حجم المسؤولية.
وأوضحت أن التحدي الأكبر كان الضغط النفسي، مؤكدة أن رياضة الرماية تعتمد بشكل كبير على القدرة على التحكم في الأعصاب، والتركيز في كل رمية دون التأثر بالعوامل الخارجية، وأضافت أن كل تفصيل صغير، مثل طريقة التنفس أو زاوية التصويب، قد يؤثر بشكل مباشر على النتيجة، وأشارت إلى أنها حرصت على التركيز على كل رمية بشكل مستقل، دون التفكير في النتائج أو متابعة أداء المنافسات، وهو ما ساعدها على الحفاظ على توازنها الذهني طوال المنافسة، وأكدت أن تحقيق الميدالية البرونزية كان لحظة فخر كبيرة، ليس فقط على المستوى الشخصي، بل لتمثيل سلطنة عمان في هذا المحفل العربي، مشيرة إلى أن هذه التجربة عززت ثقتها بنفسها، وأكسبتها خبرة كبيرة في التعامل مع البطولات الكبرى، وأضافت أن المشاركة في هذه البطولة منحتها رؤية أوضح حول مستوى المنافسة العربية، وساعدتها على إدراك أهمية الإعداد النفسي إلى جانب الإعداد الفني، مؤكدة أن هذه التجربة ستكون نقطة انطلاق نحو مشاركات أكبر في المستقبل.
التدريب والانضباط
وأوضحت رفال أن إعدادها الرياضي لم يبدأ مع الرماية فقط، بل امتد إلى سنوات الدراسة، حيث شاركت في عدة رياضات سأامت في بناء قدراتها البدنية والذهنية، مثل رمي الرمح وكرة السلة، إلى جانب ألعاب أخرى مثل البولينج والشطرنج، وقالت: إن هذه التجارب ساعدتها على تطوير مهارات التركيز والتحمل والعمل تحت الضغط، وهي مهارات أساسية في رياضة الرماية، التي تتطلب توازنًا دقيقًا بين الجانب البدني والذهني.
وأضافت أن تدريباتها اليومية تعتمد على مجموعة من العناصر المتكاملة، تشمل التدريبات الفنية الخاصة بالتصويب، وتمارين الثبات والتحمل، إضافة إلى اللياقة البدنية العامة، مؤكدة أن كل جانب من هذه الجوانب يلعب دورًا مهمًا في تحسين الأداء، وأشارت إلى أنها تولي اهتمامًا كبيرًا بالجانب الذهني، حيث تعتمد على تمارين التنفس والتصور الذهني، والتي تساعدها على التحكم في التوتر، والحفاظ على التركيز خلال المنافسات، وأكدت أن التحدي الأكبر يتمثل في التوفيق بين الدراسة الجامعية والتدريب، موضحة أن الالتزامات الأكاديمية تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين، إلا أنها تحرص على تنظيم وقتها من خلال إعداد جدول يومي يوازن بين الدراسة والتدريب.
وأضافت أن الالتزام بهذا الجدول، إلى جانب الدعم الذي تتلقاه من عائلتها ومدربيها، ساعدها على تحقيق التوازن المطلوب، والاستمرار في تطوير مستواها دون التأثير على تحصيلها الدراسي، كما أشارت إلى أن هذه التجربة علمتها أهمية إدارة الوقت، والانضباط الذاتي، مؤكدة أن هذه المهارات لا تقتصر على الرياضة فقط، بل تنعكس على مختلف جوانب الحياة.
الدعم والتطوير
وأكدت رفال أن الدعم الذي تلقته من المدربين كان له دور محوري في تطوير مستواها، حيث قدموا لها توجيهات دقيقة في مختلف الجوانب الفنية، وساعدوها على تحسين أدائها بشكل مستمر، وأوضحت أن المدربين لم يقتصر دورهم على التدريب فقط، بل شمل أيضًا الدعم النفسي والمعنوي، من خلال تحفيزها، وتعزيز ثقتها بنفسها، وتعليمها كيفية التعامل مع الأخطاء والتحديات، وأضافت أن هذا الدعم أسهم في بناء شخصية رياضية قادرة على مواجهة الضغوط، وتحويل التحديات إلى فرص للتعلم والتطور، كما أشارت إلى أن الاتحاد العماني للرماية وفر لها بيئة تدريبية مناسبة، من خلال البرامج التدريبية المنظمة، والمرافق المجهزة، إلى جانب إتاحة الفرص للمشاركة في البطولات المحلية والدولية، وأكدت أن هذه الفرص ساعدتها على اكتساب خبرات متنوعة، والتعرف على أساليب تدريب مختلفة، وهو ما انعكس إيجابيًا على أدائها، وأضافت أن الدعم المعنوي لا يقل أهمية عن الدعم الفني، حيث يمنح اللاعب الثقة والدافع للاستمرار، خاصة في المراحل التي تواجه فيها تحديات.
الإنجازات والمسيرة
وأشارت رفال إلى أن مسيرتها الرياضية شهدت العديد من الإنجازات التي أسهمت في بناء شخصيتها كلاعبة، حيث بدأت بتحقيق المركز الأول في رمي الرمح على مستوى مدارس محافظة مسقط، وهو إنجاز عزز ثقتها بنفسها، وأضافت أنها حصلت على المركز الثاني في كرة السلة على مستوى مدارس سلطنة عمان، وهو ما ساعدها على تطوير مهارات العمل الجماعي والتحمل البدني، وأوضحت أن هذه التجارب شكلت قاعدة مهمة قبل التخصص في رياضة الرماية، التي تمكنت فيها من تحقيق المركز الأول في بطولة المسدس للناشئات ثلاث مرات، وهو إنجاز يعكس الاستمرارية والتطور، كما أشارت إلى مشاركتها في بطولة الشارقة للرماية عام 2019، حيث حصلت على الميدالية الذهبية في فئة الفرق، مؤكدة أن هذه المشاركة كانت أول تجربة خارجية لها، وأسهمت في توسيع آفاقها، وأضافت أنها شاركت في بطولات دولية في كوريا ومصر، حيث اكتسبت خبرة كبيرة في التعامل مع المنافسات الدولية، والتكيف مع بيئات مختلفة، وأكدت أن الميدالية البرونزية في البطولة العربية بمسقط 2025 تمثل تتويجًا لهذه المسيرة، ونتيجة طبيعية لسنوات من العمل والتدريب.
الطموح والمستقبل
وأكدت رفال أن هذا الإنجاز يمثل بداية جديدة لمسيرتها، وليس نهاية الطريق، مشيرة إلى أنها تسعى إلى تحقيق المزيد من النجاحات على المستويين الإقليمي والدولي، وقالت إنها تطمح إلى تمثيل سلطنة عمان في البطولات العالمية الكبرى، وتحقيق ميداليات فردية ترفع اسم الوطن، مؤكدة أن ذلك يتطلب استمرار العمل والتدريب، وأضافت أنها تسعى إلى الانتقال إلى فئة العموم، والمنافسة على أعلى المستويات، إلى جانب تطوير مهاراتها الفنية والذهنية بشكل مستمر، وأشارت إلى أنها تأمل أن تكون مصدر إلهام للراميات الناشئات، وأن تسهم في نشر ثقافة الرياضة والانضباط، مؤكدة أن الرماية ليست مجرد رياضة، بل أسلوب حياة، وأضافت أن كل تجربة تمر بها تمثل فرصة للتعلم، سواء كانت نجاحًا أو تحديًا، مؤكدة أن الإصرار والعمل المستمر هما الطريق لتحقيق الأهداف.
واختتمت رفال الحارثية حديثها بالتأكيد على أن النجاح في الرياضة يحتاج إلى صبر والتزام وعمل مستمر، مشيرة إلى أن رحلتها ما زالت في بدايتها، وأنها تتطلع إلى تحقيق المزيد من الإنجازات، وأكدت أن الرياضة أسهمت في بناء شخصيتها، ومنحتها الثقة بالنفس والانضباط، مشددة على أهمية الدعم الأسري والمؤسسي في تحقيق النجاحات.
بهذا الطموح العالي، وبهذا الإصرار المستمر، تواصل الرامية رفال بنت هلال الحارثي رسم ملامح مستقبل واعد في رياضة الرماية، مؤكدة أن ما تحقق حتى الآن ليس سوى بداية لمسيرة أكبر وأكثر نضجًا في قادم السنوات، وأكدت أن المرحلة المقبلة تتطلب مضاعفة الجهد، والاستمرار في تطوير الأداء، والاستفادة من كل تجربة تنافسية جديدة، من أجل الوصول إلى مستويات أعلى من التميز، وبين التحديات التي تواجهها والطموحات التي تسعى لتحقيقها، تبدو رفال أمام مسار رياضي واعد يحمل الكثير من الفرص والإنجازات المنتظرة، التي قد تجعلها إحدى أبرز الأسماء في رياضة الرماية على المستويين الإقليمي والدولي، ممثلةً سلطنة عمان بأفضل صورة ممكنة.