في أحد أيام فبراير، وتحت شمس الظهيرة القاسية، وصلتُ إلى قرية صغيرة في جنوب السودان، على مقربة من حدود الحرب الأهلية السودانية التي تدخل عامها الرابع اليوم الأربعاء.
كانت اثنتا عشرة امرأة يجلسن في دائرة تحت خيمة اجتمعن فيها للخياطة. بعضهن فررن من قصف العاصمة السودانية الخرطوم، وأخريات هربن من هجمات برية استهدفت بلدات صغيرة وقرى نائية. قالت إحداهن شارحة معنى هذا اللقاء: «إنه يخفف عنا».
كنت قد طرحت للتو سؤالا شديد الحساسية: هل تستطيع أي واحدة من هؤلاء النساء تأكيد التقارير التي تحدثت عن استخدام العنف الجنسي سلاحا في هذه الحرب؟ انخفضت الرؤوس. فهذا بالضبط مما لا ترغب كثيرات من النساء الفارات من النزاع في الحديث عنه، حتى داخل أسرهن. ومع ذلك، بدأت النساء يجيبن واحدة تلو الأخرى، وهن يروين اعتداءات استهدفت نساء وفتيات على أيدي مقاتلين من الجانبين.
قالت آمنة عثمان محمد، وهي أم شابة، إنها كانت مختبئة بين الأشجار حين رأت مقاتلين يهددون أسرة مكوّنة من أربعة أفراد. واستعادت ما قاله أحدهم: «إما أن نعتدي على بناتك، أو نقتل زوجتك». وأضافت أنها رأت الأب يتقدم ويقول: «اقتلوني أنا، ودعوا أسرتي». عندها أطلقوا النار عليه، ثم على زوجته، قبل أن تنتهي المأساة بمشهد مروّع، بحسب روايتها.
وفي نهاية المطاف قالت امرأة أخرى من الحلقة: «النساء في خطر دائم».
منذ أكثر من ثلاث سنوات، يخوض الجيش السوداني حربا ضد «قوات الدعم السريع»، وهي جماعة شبه عسكرية تطورت من ميليشيات الجنجويد المتهمة بارتكاب إبادة جماعية في دارفور. وكان الطرفان قد عملا معا في السابق تحت حكم الرئيس المخلوع عمر البشير، لكنهما يتنازعان اليوم السيطرة على بلد غني بالنفط والذهب. وقد ارتكب الجانبان فظائع واسعة. ووفقا لتقارير «نيويورك تايمز»، تلقّت القوتان المتنافستان دعما عسكريا من دول عربية وإسلامية.
وحتى الآن، أُجبر 13.6 مليون سوداني على النزوح، بحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية. كما قال برنامج الأغذية العالمي إن البلاد تعيش أكبر أزمة جوع في العالم.
ويواجه أكثر من 40% من السكان انعداما حادا في الأمن الغذائي، فيما يموت أطفال بسبب سوء التغذية. وتتصدر غزة والسودان قائمة المناطق التي حذّرت الأمم المتحدة من أن الجوع فيها بلغ مستويات كارثية.
وعلى الرغم من كل ذلك، فإن هذه الأزمة لا تتلقى سوى جزء ضئيل من المساعدات الإنسانية المطلوبة، ويرجع ذلك في جانب كبير منه إلى التخفيضات العميقة في المساعدات الأمريكية. وقد رأيتُ ناجين من الحرب في بلدة أخرى هي رنك، يصلون إلى مركز تديره الأمم المتحدة هناك منهكين ومحطمين وجوعى. لم يكن ما يُقدَّم لهم وجبة ساخنة، بل قطعة بسكويت صغيرة. وأحيانا، كما قال لي العاملون هناك، لم يكن يتوافر حتى البسكويت.
وبالقرب من المكان، يوفّر مركز عبور تديره مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أسرّة وأغطية للناجين، لكنه لم يعد يتسع منذ وقت طويل؛ فقد أُنشئ ليستقبل 3 آلاف شخص، لكنه يؤوي اليوم نحو 9 آلاف. أما الآلاف الآخرون الذين فرّوا إلى رنك، وبينهم عائلات كاملة، فينامون في العراء أو في ملاجئ بدائية يقيمونها بأنفسهم من العصي والقماش.
ومنذ تأسيس مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عام 1950 لمساعدة الملايين الذين شُرّدوا بسبب الحرب العالمية الثانية، ظلت تمثل خط الدفاع الأخير للناس الفارين من الحرب والاضطهاد. أما اليوم، فإن هذا النظام نفسه يكافح من أجل الوفاء بتلك المهمة. وقالت لي كارلا كالفو، وهي موظفة مخضرمة في الوكالة: «لم يعد لدينا التمويل الذي يتيح لنا أن نكون الملاذ الأخير».
أهو كثير علينا أن نهتم بأكبر كارثة إنسانية في العالم؟ كثيرون منا مثقلون بعالم يبدو أكثر فوضى من أي وقت مضى. ومثل غيري، وجدت نفسي أتساءل: إلى أي حد يمكنني أن أستوعب المزيد؟ ولماذا لا أشيح بوجهي، وأترك لنفسي فرصة الانشغال بأمور أخرى، ما دمت عاجزة عن فعل شيء؟
لكن المشكلة في هذا المنطق أنني أعرف أن شيئا ما يمكن فعله. فعلى امتداد مسيرتي المهنية، شهدت ما يمكن أن يحدث حين يهتم الأمريكيون بمظلمة تقع في هذا العالم؛ رأيت كيف استجابت الولايات المتحدة للتطهير العرقي في كوسوفو، ولأمواج تسونامي في جنوب شرق آسيا واليابان، وللزلزال المدمر في هاييتي.
إن الأمريكيين الذين رفعوا أصواتهم احتجاجا على الحرب في دارفور خلال العقد الأول من الألفية لم ينهوا الاستهداف العرقي الذي مارسته ميليشيات الجنجويد، لكنهم أسهموا في تمويل استجابة إنسانية، وأثروا، على الأرجح، في قرار الحكومة الأمريكية تشديد العقوبات على المتورطين، وهو ما مارس بدوره ضغطا على الحكومة السودانية للوصول إلى اتفاق سلام.
حين نهتم، أفرادا وكدولة، يصبح في وسعنا أن ندفع الأشياء إلى التغيير. هنا يكمن المصدر الحقيقي لعظمة أمريكا. النساء اللواتي التقيتهن في ذلك اليوم لم تكن لديهن رفاهية ألا يهتممن. ونحن أيضا لا نملك هذه الرفاهية.