المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية انتقلت إلى مرحلة خطيرة من خلال قيام الولايات المتحدة الأمريكية بفرض حصار بحري شامل على الموانئ البحرية الإيرانية وعسكرة مضيق هرمز في سابقة تعيد إلى الأذهان تاريخ القرصنة البحرية والتي كان آخرها من قبل الجماعات المسلحة في الصومال، وعلى ضوء ذلك تُبذل جهود كبيرة لعودة المفاوضات الأمريكية الإيرانية غدا الخميس، في إسلام أباد أو جنيف، من خلال الوساطة الباكستانية.
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة المتمثلة في تغيير وإسقاط النظام، كما أن التخلص من البرنامج النووي الإيراني كان أحد الأهداف الأساسية، علاوة على التخلص من البرنامج الصاروخي البالستي. وعلى ضوء الفشل الذريع لواشنطن في تحقيق تلك الأهداف تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد هزمت من الناحية الاستراتيجية، وهذا التحليل صدر من عدد من المفكرين في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى ضوء ذلك يبحث الرئيس الأمريكي ترامب عن أي نصر وهمي يخرجه من الورطة التي وقع فيها، وبتحريض من نتنياهو المتطرف.
ويبدو لي أن المفاوضات بين طهران وواشنطن هي المخرج الوحيد للرئيس ترامب الذي يواجه جملة من المشكلات الداخلية والخارجية من خلال سياسته المتناقضة والتي أسفرت عن تطورات أمنية وعسكرية انعكست على دول المنطقة بشكل خاص. حرب الرئيس الأمريكي ترامب رفعت أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية خلال سنوات وأصبح المواطن الأمريكي يعاني.
هناك أيضا التضخم والانتقادات المتواصلة للرئيس ترامب من الصحافة والإعلام الأمريكي ومن عدد من المفكرين ورجال الفن في هوليوود، مما جعل الرجل يعيش أوضاعا صعبة ومعقدة؛ وهذا عكس الوضع في إيران، حيث الالتحام الشعبي حتى من قبل معارضي النظام الإيراني، والسبب يعود إلى التكاتف واللحمة الوطنية لمواجهة العدو الخارجي.
كانت الخطة الأمريكية الإسرائيلية تركز على إسقاط النظام الإيراني من خلال عمل فوضى شعبية عارمة بعد الهجوم الأول الشامل، ولكن ذلك لم يحدث، بل أصبح الشعب الأمريكي ساخطا على إدارة ترامب، كما أن الكثير من الناس في إسرائيل ساخطون على نتنياهو وحروبه التي لا تنتهي، حيث بقي الملايين من الإسرائيليين في الملاجئ لأكثر من شهر، علاوة على ضرب المدن الإسرائيلية بالصواريخ البالستية التي أحدثت دمارا كبيرا في عدد من المدن في الكيان الإسرائيلي المحتل.
على صعيد الخارج انتفض الحلفاء في أوروبا ضد سياسة الرئيس الأمريكي ترامب ورفضت عدد من الدول الغربية مسايرة ترامب في الدخول في حرب ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفقدت الدولة الأمريكية هيبتها الدولية وعدم احترامها للقانون الدولي وتعريضها الأمن والاستقرار في العالم للخطر من خلال مغامرة عسكرية غير مسبوقة من خلال التحريض الإسرائيلي.
ما يحدث في مضيق هرمز والحصار البحري الشامل عملية قرصنة حقيقية ضد التجارة الدولية وسلاسل الإمداد وارتفاع سعر الطاقة وخلق حالة من عدم الاستقرار؛ وبالتالي فإن إيران ليست المتضررة الوحيدة من ذلك الحصار البحري غير القانوني، بل إن دول العالم متضررة. ومن ثَم فإن رفع ذلك الحصار البحري الشامل والعودة إلى الدبلوماسية هو الحل الواقعي لإنهاء الحرب التي كانت أحد الأخطاء الفادحة لإدارة الرئيس الأمريكي ترامب.
أشرنا في مقال سابق إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تحولت إلى حرب استنزاف، وهذا ما سعت إليه طهران وحزب الله وبقية المقاومة في العراق واليمن، وكل المعارك العسكرية في التاريخ تقول إن الجيش النظامي لأي دولة مهما كانت قوته لا يمكن أن يكسب حرب استنزاف ضد قوى المقاومة أو ضد دولة كبيرة ذات امتداد جغرافي واسع وشعب التحم مع قيادته لصد العدوان الخارجي.
من هنا، فإن الخيار الأمثل للولايات المتحدة الأمريكية هو إنهاء الحرب وعدم فرض شروط مسبقة؛ حيث إن المفاوضات بين الأطراف تخضع للمساومة والتنازلات المتبادلة خاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية فشلت في فرض الاستسلام على إيران كما توقع الرئيس الأمريكي ترامب وإدارته. ومن هنا، وأمام حقائق الأمور لا بد لجولة جنيف أو إسلام أباد أن تحسم الاتفاق النووي الإيراني، خاصة أن المفاوضات الأمريكية الإيرانية قد وصلت إلى مرحلة متقدمة من خلال وساطة بلادنا سلطنة عمان المميزة، ولكن غدر الإدارة الأمريكية وتحريض الكيان الصهيوني ضيع فرصة دبلوماسية مهمة لتجنب الحرب التي أضرت بدول مجلس التعاون وكل أطراف الحرب.
وفي تصوري أن الخسارة الكبري للكيان الصهيوني ولإدارة ترامب هي انكسار المشروع الصهيوني العالمي، وكانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي العقبة الكبرى أمام انطلاق ذلك المشروع المشبوه نحو إعادة جغرافية الشرق الأوسط بحيث تسيطر إسرائيل على مقدرات المنطقة، على ضوء خريطة إسرائيل الكبرى.
صحيح أن المشروع الصهيوني العالمي لم ينكسر بشكل كلي، لكن ملامح ذلك الانكسار اتضحت من خلال صمود إيران في وجه العدوان الأمريكي الإسرائيلي. وعلى ضوء ذلك فإن المتغيرات التي سوف تحدث بعد الحرب هي متغيرات كبيرة خاصة على صعيد دول المنطقة، ومسألة الحماية الأمريكية التي سجلت فشلا ذريعا. ومن هنا، فإن القواعد العسكرية الأمريكية ـ التي أصبح وجودها محل شك ـ علاوة على الأمن القومي العربي تحتاج إلى نقاش متعمق بعد كارثة الحرب.
الداخل الأمريكي يموج بصراعات كبيرة في ظل إدارة متخبطة في كثير من سياساتها وهي تبحث عن مخرج بعد أن ورطت نفسها في مغامرة عسكرية غير محسوبة النتائج. وعلى ضوء ذلك، فإن الدبلوماسية تظل هي الخيار الأفضل لإيجاد اتفاق نووي عادل ومنصف ومستدام لإنهاء الحروب في المنطقة.
كما أن الحصار البحري الشامل هو عمل غير قانوني يهدف إلى تحقيق أهداف سياسية، وهي مسألة ليست مقبولة؛ حيث تتعطل مصالح دول العالم من أجل تحقيق أهداف عجزت واشنطن عن تحقيقها خلال الحرب.