عملتُ لبعض الوقت في وظيفة جانبية قبل سنوات، كنتُ مسؤولة عن القسم الثقافي والفني في صحيفة إلكترونية، بعد مرور تسعة أشهر كنا قد نشرنا الكثير من المقالات في مراجعات الأفلام والكتب والمسلسلات، والأغاني، وأشهر مقاطع «الميمز» وما الذي تعنيه هذه اللغة الجديدة بالنسبة لجيلنا، ما زلتُ أتذكرُ ذلك اليوم، الذي أخبرني فيه مديرو المجلة بأننا سنغلق القسم الثقافي أو سنخفض مواده، لكنهم طلبوا بوضوح ما بدا لي أكثر معقولية، ألا ننقد الرأسمالية كثيرًا. كانت المجلة قد بيعت لمستثمر يمتلك بنكاً. بدا لي من المحدودية الشديدة أن تقلل من قيمة «الثقافة» بالمعنى التقني للكلمة، أقصد ما يُعرف عن تطبيقاتها.

لطالما بدا لي واضحاً تقدير السلطة للثقافة، أو التداخل الشديد بينهما، منذ أول عقد اجتماعي نظم المجتمعات البشرية وحتى هذه اللحظة لعب المثقفون دوراً حيوياً في تشكيل السلطة، أو تكوين مرجعية ومصادر تُعزز شرعيتها، أقرأُ هذه الأيام كتاباً عن عصر «النهضة» العربي، أذهلني التأكدُ من ذلك، لم يكن المثقف معزولاً قط، لا يمكن أن يكون كذلك في الفضاء العام، ثمة إدراك أن الأفكار مهمة أو خطرة، كلاهما يذهب في الاتجاه نفسه. لقد أحدثت المطبعة ثورة لا يمكن التراجع عنها، يبدو لي أنها مثل اكتشاف الإنسان للنار، وإمكان طهي الطعام، الأمر الذي غير بنيته الجسدية وعلاقته بكل شيء. وحتى قبل ذلك كان الإنسان تواقاً للمعرفة والمشاركة، هنالك مئات الآثار المحفورة برسومات غرائبية نطقوا بها، ورغبوا في أن تخلد!

عندما تولى محمد علي باشا الحكم، وقرر بناء أول جيش نظامي في مصر، بل في الإمبراطورية العثمانية كان متأثراً بشكل خاص بنابليون بونابرت، يمكن أن نحدس بسهولة، الخطوة التي فعلها قبل كل شيء، بنى مطبعة خاصة بقصره، وأول كتاب أمر بطباعته، كان مذكرات نابليون! وكان محمد علي باشا حتى في الطريقة التي يُقدم بها نفسه ويلتقي فيها بالرعية، يطبق ما فعله نابليون بحذافيره! كان من شأن تشكيل جيش نظامي وعناصر أخرى، أن تخترع «القومية» المصرية.

هنالك الكثير من الأمثلة التي يمكنني سردها عن هذه المسألة. لكنني هنا بشكل خاص للحديث عن تقويض أو إلغاء قسم الكتب بصحيفة واشنطن بوست فبراير الماضي، تصف بيكا روثيفلد إحدى أهم الكاتبات والناقدات والتي شملها هذا القرار في القسم أن المالك الملياردير جيف بيزوس استيقظ ذات يوم وربما لم يعد مهماً بالنسبة له أن يكون هنالك قسم للثقافة في صحيفته، في الحقيقة لطالما استثمر الصحيفة في معارك لصالح أطراف بعينها، منذ انتخاب ترامب أول مرة، ثم بايدن وعودة ترامب مجدداً، لكن الناس عموماً أصيبوا بالملل من الأخبار مع كل ما يحدث في العالم، أو هذا ما يظنه بيزوس! تقول روثفيلد: «مزاجهم المتقلب هو ما يرسم مصائر الناس المهنية. فإذا اعتبر يوما أن الربح وتعظيم العائد هما الهدف الأعلى، انصاعت المؤسسة لهذا المنطق. أما إذا استيقظ في اليوم التالي مدفوعا بدافع أيديولوجي أو برغبة في إرضاء طرف ما، فإن البوصلة تنحرف تبعا لذلك»

أجرى ناثان ج. روبنسون، رئيس تحرير مجلة Current Affairs حوراً مع روثفيلد عقب قرار إلغاء القسم ونشره على المجلة بعنوان «موت عالم الكتب ولماذا لا يزال النقد مهما»، وناقش الحوار قرار واشنطن بوست إغلاق قسم الكتب وتسريح عدد كبير من العاملين فيه، وما يكشفه ذلك عن هيمنة المالكين الأثرياء على المؤسسات الإعلامية، كما توسع في تفكيك دور النقد الأدبي ووظيفة مراجعات الكتب في الصحافة العامة، إلى جانب التطرق إلى أثر الذكاء الاصطناعي في إضعاف التفكير الإنساني والعمل الثقافي.

هنالك أفكار مثيرة للغاية في هذا الحوار، إحداها الحديث عن عدم أهمية قسم الكتب في واشنطن بوست منذ البداية، والذي كان في صالح القسم، تصفه روثيفلد بأنه نعمة أكثر منه نقمة، سمح لهم ذلك بتقديم مراجعات كتب من منظورات سياسية يسارية وغير محافظة، ولم يسائلهم أحد عن ذلك، بل لم يشيروا إليه أصلاً، إذ بدا ذلك غير مهم بالنسبة لهم! على العكس من ذلك الاهتمام بمراسلي السياسة، تقول: «لا أعرف إن كان بيزوس يعرف أن لدينا قسماً للكتب أصلاً!»

لم تكن مهمة روذفيلد تقديم آراء عابرة عن الكتب، فمع تنوع المراجعات التي نشرتها والتي تبدأ من مستحضرات التجميل وصولاً لنقد السياسات الرأسمالية واليمين المتطرف، رأت أن مهمتها كناقدة هي أن توضح لماذا يبدو الشيء محكماً ومسنوداً بالحجج لكن اذا نكزته في الموضع الصحيح فسينهار على الفور.

يمتع هذا الحوار بصورة خاصة عندما يتجه ناحية الحديث عن التداخل بين الثقافة والسياسة، إذ إن روبنسون ورثفيلد كليهما يتفقان على أنه من غير الممكن التفكير في السياسة إلا بوصفها سياسة الثقافة، أي تنظيم الحياة الإنسانية نحو غاية ما أو أخرى، نحو ضبط المشاعر أو التفاعل معها وتأكيدها بطريقة محددة، وهو ما يعني تحديد شكل حياتنا بأكملها. إن هذا ما يجعل الأدب ونقده في غاية الأهمية، فهو النشاط الإنساني الذي يتعامل مع التنوع والإمكان والتعقيد وما يرتبط بهذه الحياة. لا نستطيع التخلي عن التفكير والنقد والكتب، فالعالم بدون ذلك فقير أو ربما لن يكون هنالك عالم ببساطة!

أكتبُ في هذه الصفحة الثقافية منذ سنوات، وعندما يحدث هذا بأقسام الكتب في أهم صُحف العالم، أدرك أن هذه المساحة منتزعة من عالم يوشك للانزلاق إلى العدم. أتمنى ألا يشتري هذه الصفحة أي مالك لبنك، علينا بطريقة ما أن نصر على أن نملي على مُلاك البنوك ما يفعلونه لا العكس. ولأختم هذه المقالة بابتسامة تواطؤ بيني وبينك أيها القارئ العزيز.