«... إن شعور الفلسطينيين بهويتهم الذاتية لم ينقطع منذ عام 1880، أي منذ بدء الهجرة اليهودية إلى فلسطين وبداية التفكير الصهيوني في وطن لليهود على أرضها».

على امتداد أعوام أجهل عددها، يجري الحديث عن فلسطين مع الصديقات والأصدقاء والأهل، بنوع من اليقين الكامل في عودة الأرض لأصحابها وساكنيها. ولا يُشكُّ أبدًا في كلمات النشيد المحفوظ عن ظهر قلب: فلسطين داري ودرب انتصاري... إلخ.

في تاريخ ذلك الامتداد كم تراكمت مفردات المعجم السياسي بالزخارف تارة والالتواء تارة أخرى. كانت كلمة النكبة تعني شيئًا لا يختلف كثيرًا عن كلمة النكسة! حيث يجري التعامل معهما من منطق أن العرب جميعهم في كفة واحدة، فإذا هُزمنا أو نُكب بنا أو انتكسنا، فالدرب إلى فلسطين واحد، حتى تصدر المعجم كلمات التونسي التائه: لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية. يا ترى كم عدد اللحظات التاريخية التي سنهرم انتظارًا من أجلها؟

ليس بين الرصاص مسافة. قالها الشاعر مظفر النواب.

يستعاد القول بإرهاق حاد، وإحباط مرير في واقع سياسي عربي ومسلم يعاني من العقم. فليس ثمة مسافة صغيرة أو يمكن أن تكون قابلة للفهم والاختيار بين سيناريوهات تدفع بالعالم العربي كله إلى الجنون أو التخندق في أحزاب العسكر القاتل!

يُراد للفلسطيني في غزة البارحة وفي اليوم وكذلك في الغد، ليلًا أو نهارًا - حيث لا بريق أمل يلوح في الأفق- في زمان حرب الإبادة والتهجير أن يختار بين واحد من سيناريوهات المحو، إما -كما ينشر أحدهم في حسابه- اختيار السيناريو الأول المفضل لإسرائيل ببقاء الوضع على ما هو عليه في قطاع غزة، ليظل القطاع منهوبا تحت الاحتلال موزعا ضمن مناطق ثلاث ملونة بالأصفر أو الأحمر أو الأخضر مع استمرار غلق المعابر وعدم السماح بالإعمار. والسيناريو الثاني: أن يعلن الرئيس ترامب فشل المفاوضات في إقناع حماس بنزع السلاح وعليه، إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل أن تكمل المهمة عسكريا، أما السيناريو الثالث فهو «الخطة باء» حيث يتم الإعمار في غزة بشكل مؤقت في مناطق عازلة، ثم ينقل إليها سكّان القطاع بشكل تدريجي مع مواصلة العمليات العسكرية.

هذه السيناريوهات الثلاثة المبتذلة تنطلق من مرجعية صارمة لا تلين تعود بنا كما يذكر المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه في كتابه التطهير العرقي في فلسطين إلى «عصر يوم الأربعاء البارد في 10 مارس 1948م عندما اجتمعت مجموعة من أحد عشر رجلا مكونة من قادة صهيونيين وضابطين عسكريين شابين، ووضعت اللمسات الأخيرة على خطة لتطهير فلسطين عرقيا. وفي مساء اليوم نفسه، أرسلت الأوامر إلى الوحدات على الأرض بالاستعداد للقيام بطرد منهجي للفلسطينيين من مناطق واسعة في البلد. وأرفقت الأوامر بوصف مفصل للأساليب الممكن استخدامها لطرد الناس بالقوة: إثارة رعب واسع النطاق؛ محاصرة وقصف قرى ومراكز سكانية؛ حرق منازل وأملاك وبضائع، طرد، هدم، وأخيرا، زرع ألغام وسط الأنقاض لمنع السكان المطرودين من العودة إلى منازلهم. وتم تزويد كل وحدة بقائمة تتضمن أسماء القرى والأحياء المحددة كأهداف لها في الخطة الكبرى المرسومة...».

هل هناك سيناريو رابع؟ وفقًا للنزعة الأيديولوجية الصهيونية ومرجعياتها التاريخية التوراتية، «الفلسطينيون يجب أن يرحلوا»، فالصراع لا يقتصر على الوجود وحده في عالم منوّع، بل النقاء العرقي لليهود. في ظل هذا السيناريو الدموي، «كانت السياسة الصهيونية في البداية قائمة على ردات فعل انتقامية على الهجمات الفلسطينية في فبراير 1948م، لكنها ما لبثت أن تحولت في مارس 1948م إلى مبادرة لتطهير عرقي للبلد بأكمله... منذ ذلك التاريخ، لم نفهم أن هذا الحدث المصيري الأكثر أهمية في تاريخ فلسطين الحديث، جرى إنكاره بصورة منهجية منذ وقوعه».

كما يذكر إدوارد سعيد في كتابه المسألة الفلسطينية: «وورد في رسالة تأييد لإنشاء الدولة اليهودية في فلسطين، وقعها ستة من رجال الفكر الأمريكيين البارزين عام 1947م، هناك عاملان أساسيان للاستقرار في الشرق الأوسط: فلسطين يهودية ولبنان مسيحية... وما عداهما ليس إلا شرقا عربيا مسلما لا أمل يُرجى منه...»

ذكرني تعبير «الخطة الكبرى المرسومة» بتعبيرات أخرى ذات حمولة سياسية واستعمارية لا يمكن تجاهلها مثل: «إسرائيل الكبرى»، في أواخر القرن التاسع عشر، وتعبير «الشرق الأوسط» في عام 1902م، وتعبير «العالم الثالث» الذي صاغه المفكر الفرنسي ألفريد سوفي عام 1952م، وتعبير «الشرق الأوسط الكبير» الذي ظهر بعد حرب العراق عام 2003م، ولحق به تعبير «الفوضى الخلاقة في عام 2005م وهو مصطلح ارتبط آنذاك بتصريحات كونداليزا رايس، والناظر إلى هذه المصطلحات بمفاهيمهما السياسية تهدف كلها إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق منظور الاستعمار.

أستعيد رأيًا وجيهًا للباحثة والطبيبة الراحلة نوال السعداوي ترى أن تقسيم العالم إلى متقدم وآخر عالم ثالث متأخر هو لغة استعمارية، منتقدة في سياق ذلك التقسيم، مصطلح الشرق الأوسط وفق المنظور الذي سوّقه له الغرب لتحقير الشعوب الأخرى! فإذا كان العالم الثالث ليس وصفا علميا، ولا العالم المتقدم حقيقة مُطلقة، بل هي تقسيمات سياسية وثقافيّة صنعها الاستعمار، فهذا يعني اليوم أننا ما زلنا خاضعين للاستعمار، لأننا نُكرر في حواراتنا وأدبنا دروس الماضي الذي لم نفارقه كله، بل لم نتحرر منه كله؛ «هناك عالم واحد فيه ظالم ومظلوم»، أو عالم فيه قوي وضعيف، أو عالم فيه متعلم وجاهل.

الناظر إلى أحداث السابع من أكتوبر أو ما عرف بطوفان الأقصى وحتى الحرب التي تدور رحاها اليوم بين أمريكا وإسرائيل وإيران، لا يمكنه استبعاد سيناريوهات خفية شديدة البذاءة والقتامة تجري في الكواليس. الملاحظ أن كل مأزق في السياسة العالمية المتذبذبة يجعلها قادرة على الانتقال من أرض بيدق إلى أخرى، فما إعلان الهدنة بين الأقطاب التي كانت مجتمعة لمنع الحرب والخراب حتى فشلت المفاوضات فإذا بإسرائيل تشن غارات عنيفة على لبنان دون هوادة أسفر عن سقوط مئات الشهداء والجرحى من بينهم الأطفال الرُّضع.

وعلى الرغم من هذا كله، وما سبقه تاريخيا أحداث محاولات محو فلسطين التي تعود إلى عام 1948م ذلك التأثير الغريب للصهيونية وإسرائيل على المفكرين والمثقفين سواء في الغرب أم العرب، والمناداة بالتطبيع التدريجي، السلمي أو المفروض بالقوة!

لكن السؤال الذي يمكن طرحه: أين نحن العرب والخليجيين؟ هل استطعنا تمثّل وضعنا في العالم؟ هل نُدرك أننا في مأزق حقيقي؟ ألم يحن الوقت لمواجهة أنفسنا بضرورة تفكيك دائرة المصطلحات السياسية التي نجح الإعلام الغربي المُحكم التنظيم في غرسها وزرعها في عقلية الإنسان العربي من المحيط إلى الخليج، ألا نستطيع إيجاد الظروف وحشد القوى الفعالة والمؤثرة في تحريك جامعاتنا ومراكز البحوث وهيئات التعلم والمجالس الثقافية للعمل ضمن فريق موّحد الرؤى والاتجاهات والمنافع، أم هل نحن كأنظمة لا يرجى منا شيئا!

في الواقع تبدو تلك المسألة مضللة جدا. ليس هناك أسهل ولا أسرع من التزييف المتعمد للحقائق. ينبغي في هذه الحال التأكيد على بديهيات محددة؛ فنقلا عن إدوارد سعيد «إن الحقائق اليوم تشير إلى أن الفلسطينيين هم جوهر وأساس أزمة الشرق الأوسط، وأنهم يجب أن يكونوا طرفا رئيسيا في حلها». وأن ملف إبقاء الفلسطينيين في أرضهم الأصلية حل عملي لغلق باب الهجرة، الذي يذكرنا ولا يجب أن ننساه بكلام دافيد بن - غوريون في أثناء مخاطبته للجنة التنفيذية للوكالة اليهودية في يونيو 1938م قائلا: أنا أؤيد الترحيل القسري، ولا أرى فيه شيئا غير أخلاقي».

لكن الحقائق بعد طوفان الأقصى تنذر بالكوارث المتتالية، فالخشية من ابتلاع إسرائيل كل فلسطين مسألة واردة في ظل الاحتلال الصهيوني الغاشم، فهل ثمة أمام الفلسطينيين أمل حقيقي بالبقاء في أرضهم والدفاع عن ثورتهم ونضالهم للحفاظ على حياتهم قبل هويتهم الذاتية ووحدتهم الوطنية؟ الحال المأساوي اليوم في فلسطين ينبئ عن مأساة مواجهتها قاسية جدًا، فالعوائل الكبيرة قد فقدت الكثير من أبنائها، والعوائل فقدت بيوتها وأصبح البحث عن خيمة أو شراؤها من المستحيلات السبعة. إضافة إلى ذلك، الجشع المتصاعد بين التجار الذين يتحكمون في رفع أسعار مواد التموين الغذائية والاستهلاكية، دون رادع أو رقيب أو ضمير، ومع تدهور الوضع الصحي فإن الأرض تهتز تحت أقدامهم في صراع أمام قوى هائلة تديره عصابات في الداخل وأخرى في الخارج، أو صراع سياسي وعسكري في آن معا.

السيناريو الخامس كما يذكر الناقد عبدالله إبراهيم: «الدول الغربية-العربية التي تعلن مواقفها في نيويورك، تبدي رغبة في حل لا يقدم للفلسطينيين أرضا ولا سيادة ولا كيانا مستداما. فقط اعتراف لفظي لا فعل له على الأرض المحروقة...»

السيناريو السادس: أن يُفتح المِعبر ولتذهب المرجعية، وكُّل من ناصرها ودعمها وأيدها، إلى جميع أشكال الجحيم المتخيلة.

السيناريو السابع: البقاء والمقاومة.

أمام هذه السيناريوهات القاتمة، لا يبدو أن الفلسطينيين يملكون ترف الاختيار، بل خيار واحد فقط البقاء. فالبقاء هنا ليس موقفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية، ومقاومة يومية للحفاظ على الحياة والهوية معًا. وهكذا، يبقى السيناريو السابع ــ البقاء والمقاومة ــ هو السيناريو الوحيد الذي يكتبه الفلسطينيون بدمهم كل يوم.