محمد بن أحمد الشيزاوي -

أعادت الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة ثانية القلق بشأن نقص إمدادات النفط العالمية، ومع التهديد بإغلاق مضيق هرمز وصعود أسعار النفط متجاوزة 100 دولار للبرميل تزداد المخاوف الاقتصادية من أن تؤدي أزمات النفط المتتالية إلى التأثير على نمو الاقتصاد العالمي واحتياجات التنمية الصناعية والأنشطة الاقتصادية في مختلف دول العالم والنمو العمراني والسكاني وأن تُفضي مثل هذه الأزمات إلى التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة ليس فقط في الدول المستهلكة للنفط ولكن أيضا في الدول المنتجة له، ومع هذه المخاوف نتساءل: هل يمكن أن تؤدي الحروب إلى إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية؟ وهل تستطيع الدول تجاوز مثل هذه الأزمات؟.

في الحقيقة لا يمكن النظر إلى هذه الحرب على أنها مجرد صدمة مؤقتة تستطيع السوق النفطية والدول المنتجة للنفط والدول المستهلكة له استيعابها خلال فترة وجيزة؛ ذلك لأن الحرب أثرت فعليا على الملاحة في مضيق هرمز، وإذا كانت الدول المنتجة والمستهلكة للنفط قد استطاعت خلال العقود الماضية بناء منظومة طاقة تتسم بقدر من الاستقرار؛ مدعومة بتنوع المنتجين ودور المنظمات الدولية والتحالفات الإقليمية إلا أن انعكاسات الأزمة الحالية أكثر تعقيدا مما نتوقع خاصة مع استهداف ناقلات النفط وتعطيل الملاحة في هذا الممر العالمي الذي تعبر من خلاله – يوميا - 20% من الإمدادات النفطية العالمية.

إن الصراعات التي تشهدها مناطق إنتاج النفط أو مواقع تصديرها والممرات التي تعبر من خلالها جعلت مفاهيم السوق النفطية تتغير، إذ لم تعد أسواق الطاقة تدار وفقا لمعدلات العرض والطلب فقط، وإنما أصبحت أيضا رهينة للتطورات الجيوسياسية التي تؤدي إلى تراجع الإمدادات النفطية وارتفاع أسعار النفط تبعا لذلك، وقد أظهرت التجارب التاريخية منذ عام 1973 مرورا بالحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات ثم حرب الخليج في عام 1990 أن الطاقة أصبحت أهم سلعة تتأثر بهذه الصراعات، فأي توتر في هذه المناطق يلقي بظلاله حتما على تدفقات النفط وسلاسل الإمداد المرتبطة به وهو ما جعل الكثير من الدول تركز على «أمن الطاقة» بنفس الوتيرة التي تركز فيها على استقرارها السياسي، ومن هنا برزت فكرة تأسيس خريطة جديدة للطاقة لا تتأثر -قدر الإمكان- بالتطورات الجيوسياسية التي تشهدها مناطق إنتاج النفط أو الممرات المائية.

تاريخيا؛ نجد أن تشكيل خريطة الطاقة العالمية بدأ مبكرا مع أول أزمة نفطية عالمية شهدتها المنطقة في عام 1973، فمنذ ذلك التاريخ بدأت عدة دول التفكير عمليا في تقليل تأثير هذه الأزمات على اقتصاداتها واحتياجاتها النفطية في الوقت الذي يشهد فيه الطلب على النفط نموا متسارعا، وقد شهدنا خلال السنوات الأخيرة قيام عدد من الدول ببناء مخزونات استراتيجية ضخمة من النفط على أراضيها، وقيام دول أخرى بتخزين النفط في خزانات عائمة قريبة من موانئها، وفي الوقت نفسه اتجهت دول أخرى إلى تشييد خزانات نفطية خارج مناطق التوترات يمكن تأجيرها للشركات العالمية أو الدول المستوردة للنفط.

وخلال الأزمة الحالية وجدنا أن جزءا من صادرات النفط الخليجية تم تصديره بالفعل عبر ميناء ينبع السعودي الواقع على البحر الأحمر وهو ما يشير إلى اتخاذ خطوات عملية لإعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية جغرافيا بعيدا عن مناطق التوترات.

وعلى الرغم من أن العديد من الدول بدأت التفكير عمليا منذ عدة عقود في تجاوز تحديات اضطراب الإمدادات النفطية وبلورة أفكار عديدة لإعادة تشكيل خارطة الطاقة العالمية، إلا أن الخطوات التي تم اتخاذها في السابق كانت محدودة خاصة أن الطلب العالمي على النفط يرتفع بشكل سنوي، ففي عام 2005 -على سبيل المثال- كان الطلب العالمي على النفط لا يتجاوز 85 مليون برميل يوميا، وارتفع في عام 2015 إلى نحو 95 مليون برميل يوميا، واليوم فإن الطلب العالمي على النفط يقدر بأكثر من 100 مليون برميل يوميا ومن المتوقع أن يستمر في هذا الاتجاه من النمو حتى عام 2030 على الأقل وهو ما يؤكد أن النفط لا يزال ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي خاصة في آسيا مع ارتفاع الطلب على النفط في الصين والهند على سبيل المثال بأكثر من الضعف مقارنة بمستويات الطلب لديهما قبل 20 عاما.

وإذا كانت الأزمات المرتبطة بالحروب والصراعات في مناطق إنتاج النفط وتصديره والممرات التي يعبر منها تحقق مكاسب مؤقتة لبعض الأطراف إلا أنها على المدى البعيد تؤثر على الجميع بما في ذلك الدول المنتجة للنفط التي أصبحت هي الأخرى تسعى إلى استقرار تصدير شحناتها إلى الخارج بالكفاءة والسرعة المطلوبة وضمان تداوله بأسعار تحقق العدالة للمنتجين والمستهلكين، وكما يعلم الجميع فإن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لا يقتصر على قطاع واحد فقط بل يشمل مختلف القطاعات الاقتصادية ويؤثر على الحياة الاجتماعية. هناك شبكة مترابطة من سلاسل الإمداد تشمل النقل والتوزيع واستيراد وتصدير البضائع والمواد الخام والتأمين التي تتأثر جميعها بارتفاع أسعار الطاقة، وقد تمتد التأثيرات إلى القطاع المصرفي، العمود الفقري لأي اقتصاد، خاصة إذا أدى ارتفاع الأسعار إلى انكماش اقتصادي أو إلى تعثر الشركات والأفراد عن السداد.

هذه التأثيرات تمثل ضغوطا على الدول والحكومات لإيجاد خيارات عديدة تحد من تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على المجتمع وهو ما بدأ يتشكل منذ عدة عقود مع ازدياد الصراعات في مناطق إنتاج وتصدير النفط، وفي هذا الإطار يمكننا الحديث عن خريطة عالمية للطاقة تتيح للدول تصدير ونقل واستيراد منتجاتها النفطية بعيدا عن مناطق الحروب والصراعات، وعندما نتحدث عن خريطة الطاقة العالمية فإننا لا نتحدث فقط عن مناطق إنتاج النفط وتصديره والممرات المائية فقط وإنما نتحدث عن سلسلة متكاملة من العلاقات الاقتصادية، ففي هذا العالم المترابط اقتصاديا يتم استخراج النفط من دولةٍ ما ليعبر البحار والمحيطات لتشغيل المصانع ومحطات الطاقة وتوفير الوقود لملايين المركبات في دول أخرى وإنارة المساكن والمحلات التجارية والطرق وتعزيز نمط المعيشة في مختلف المدن والقرى، وانطلاقا من هذه الحقيقة لم تعد الحروب مجرد صراعات سياسية أو عسكرية تؤثر على الأطراف الرئيسة فيها فقط بل أصبحت تؤرق حتى العاملين البسطاء في حقل زراعي يبعد آلاف الكيلومترات عن مناطق الصراع، وهو ما جعل العديد من الدول المستهلكة للنفط تعيد تشكيل علاقاتها وأولوياتها وتحالفاتها النفطية لنرى أنفسنا أمام خريطة جديدة للطاقة لا تهتم بالتوزيع الجغرافي لمواقع إنتاج وتصدير النفط والغاز أو بسلاسل الإمداد ووسائل النقل فقط بل أصبحنا أمام شبكة معقدة ترسم مستقبل الطاقة؛ تتداخل فيها الجغرافيا مع السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا لتشمل: مواقع الإنتاج، ومسارات النقل الحيوية مثل: مضيق هرمز وقناة السويس، وشبكات التحالفات بين الدول، فضلا عن التركيز على تنويع مصادر الطاقة عبر الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، والمزج في استخدامات الطاقة بين النفط والغاز؛ في الوقت الذي تدخل فيه السيارات الكهربائية كخيار جديد ضمن خريطة جديدة للطاقة تتطلع لامتصاص الأزمات واستيعاب الصراعات التي يشهدها العالم من حين لآخر.

إن اهتمام الدول بـ«أمن الطاقة» هو أحد أبرز الأسباب التي تجعلها تبحث بشكل دائم عن خريطة للطاقة تستطيع من خلالها الحصول احتياجاتها النفطية، ورغم كل ما أشرنا إليه من حلول وبدائل لتنويع مصادر الطاقة وتغيير مسارات تصدير النفط إلا أن مكاسبها قد تكون محدودة في ظل ما يشهده العالم من تغيرات عديدة في عالم لا يهدأ ولا يرغب في الاستقرار أبدا، وكلما نطوي صفحة عام على أمل أن يكون العام التالي أكثر أمنا واستقرارا نجد الأحداث تسير عكس ذلك تماما، وإذا كنا نتحدث اليوم عن الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة فإننا قبل عدة سنوات رأينا كيف أثرت الحرب الروسية الأوكرانية على إمدادات النفط والغاز خاصة إلى الدول الأوروبية، وشهدنا أيضا تهديد حركة الملاحة في مضيق باب المندب، وأحداثا أخرى في ليبيا ونيجيريا وأنغولا في القارة الإفريقية التي تشهد من حين لآخر نزاعات داخلية وهجمات على خطوط الأنابيب بالتزامن مع عدم الاستقرار السياسي، ولا ننسى أيضا الأزمات السياسية والعقوبات الدولية التي تؤثر على استقرار السوق النفطية كما هو الحال في فنزويلا. كل هذا يجعلنا على قناعة أن التعايش مع الأزمات واستيعابها أصبح أمرا لا مفر منه رغم كل الجهود المبذولة لتشكيل خريطة عالمية للطاقة تسعى –قدر الإمكان- لتفادي أزمات تملأ العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.

محمد بن أحمد الشيزاوي كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية