أ.د سعيد بن مبارك المحرّمي -

لا تزال الطاقة الأحفورية المتمثلة في النفط والغاز، محور التنافس الدولي حتى وسط الصراعات الجيوسياسية المتصاعدة التي يشهدها العالم، ولقد حبا الله سلطنة عمان بنعمة احتياطيات نفطية وغازية تقدر بنحو 5.4 مليار برميل نفط و23 تريليون قدم مكعب غاز، ويستعرض هذا المقال كيف تؤكد الأحداث العالمية استمرار أهمية الطاقة الأحفورية، ويخلص إلى أن البحث والتنقيب المستمر عنها لا يتعارض مع استراتيجية التنويع الاقتصادي لسلطنة عُمان بل يعززها.

أولا: فنزويلا.. نموذج لتحكم القوى الكبرى في مصادر الطاقة

يُعد ما حدث في فنزويلا مثالا صارخا على كيفية استخدام القوى الكبرى للضغط الاقتصادي والعسكري للسيطرة على مصادر الطاقة الأحفورية؛ حيث تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية في العالم بأكثر من 300 مليار برميل، لكن إنتاجها انهار من 3.5 مليون برميل يوميا في عام 1999 إلى أقل من 400 ألف برميل يوميا بحلول 2020، بسبب العقوبات الأمريكية على شركة النفط الحكومية الفنزويلية بدء من عام 2019، التي حالت دون تصدير النفط واستيراد المخففات اللازمة لمعالجة الخام الثقيل. وفي يناير من عام 2026، تدخلت الولايات المتحدة عسكريا لإزاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة ستدير صادرات النفط الفنزويلية. بعد ذلك، خففت واشنطن العقوبات للسماح للشركات الأمريكية بالتعامل مع شركة النفط الحكومية الفنزويلية، مع شرط توجيه المدفوعات عبر حسابات أمريكية خاضعة للرقابة. ارتفع الإنتاج إلى حوالي 1.2 مليون برميل يوميا، لكنه بقي بعيدا عن الذروة السابقة. هذا الحدث يثبت بأن الطاقة الأحفورية ليست فقط أداة قوة جيوسياسية، وإنما يوضح كذلك بأن الطاقة المتجددة لن تكون قادرة على استبدال الطاقة الأحفورية قريبا. لذا تسعى القوى العظمى على السيطرة على مصادر هذه الطاقة الأحفورية.

ثانيا: الحرب في الخليج  وصراع السيطرة على مضيق هرمز

في الوقت الحالي، يشهد الخليج العربي توترات حادة أدت إلى أزمة في مضيق هرمز، حيث أوقفت إيران معظم الملاحة بعد الهجمات على السفن التجارية. علما بأنه يمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل نفط يوميا، أي ما يعادل 20-27% من التجارة البحرية العالمية للنفط والمنتجات البترولية، و20% من إجمالي استهلاك السوائل البترولية العالمي. ولقد أدى الصراع إلى ارتفاع أسعار النفط الخام وتجاوز السعر 100 دولار للبرميل. ومن المتوقع ألا يقل سعر البرميل في الفترة القادمة عن 80 دولارا للبرميل في أفضل الافتراضات، وقد يبقى فوق 100 دولار.

ثالثا: بحث الشركات النفطية  الغربية عن فرص التنقيب

رغم الدعوات العالمية للانتقال إلى الطاقة المتجددة، تواصل الشركات النفطية الغربية الكبرى (مثل: إكسون موبيل، شيفرون، شل، وغيرها من الشركات) استثماراتها الضخمة في التنقيب. ففي عام 2026، شهدت الاستكشافات العالمية طفرة، مع مضاعفة الشركات الدولية لجهودها، وسعي هذه الشركات للحصول على مناطق الامتياز حول العالم، واستخدام الذكاء الاصطناعي للكشف عن حقول جديدة؛ حيث تُخطط الشركات النفطية الغربية الكبرى لمد أكثر من 385 خط أنابيب نفط وغاز في عام 2026، منها 113 بحريا، وسط نشاط اندماج واستحواذ قوي. كل ذلك يعكس ثقة تلك الشركات الغربية في استمرار الطلب على الطاقة الأحفورية من نفط وغاز على المديين المتوسط والطويل.

رابعا: استمرار أهمية الطاقة الأحفورية والطاقة المتجددة  ليست بديلا بعد

تؤكد البيانات العالمية أن الطاقة الأحفورية لن تُستبدل قريبا. وفقا لتقرير أوبك لآفاق النفط العالمي لعام 2025، سيرتفع الطلب على النفط إلى 123 مليون برميل يوميا بحلول 2050، وسيحتفظ النفط بحصة قريبة من 30% من مزيج الطاقة الأولية، بينما يبقى النفط والغاز معا فوق 50%. أما تقرير آفاق الطاقة العالمية للوكالة الدولية للطاقة لعام 2025، فيشير إلى نمو الطاقة المتجددة كالرياح والشمس بقوة، لكن الطلب على النفط يستمر أو يستقر في السيناريوهات السياسية المعلنة، علاوة على ارتفاع الطلب على الغاز وبالتالي مواصلة نموه.

الطاقة المتجددة تتوسع في الكهرباء حيث من المتوقع أن تصل إلى 55% بحلول 2035 في بعض السيناريوهات، لكنها لا تغطي بعد قطاعات مثل النقل الثقيل والصناعات البتروكيماوية. هذا يعني أن العالم لا يزال في حاجة ماسة على النفط والغاز ولهذا نلاحظ ظهور الصراعات والحروب بين فترة وأخرى.

الخلاصة: الطاقة الأحفورية نعمة إلهية وفرصة للاستغلال الحكيم

لقد حبانا الله سبحانه وتعالى بثروة الطاقة الأحفورية، وعلينا استغلالها بما يعود بالنفع على البلاد واستثمارها للأجيال القادمة؛ حيث يثبت العالم يوميا أن هذه الموارد تبقى محور الصراعات، من فنزويلا إلى مضيق هرمز. لذا، يجب على سلطنة عمان الاستمرار في البحث والتنقيب عن مواقع جديدة للنفط والغاز.

إذ لا يتعارض التنويع الاقتصادي مع التوسع في البحث والتنقيب على الطاقة الأحفورية؛ بل يعززه؛ حيث تستهدف «رؤية عمان 2040» رفع مساهمة القطاعات غير النفطية التي بلغت 73.3% من الناتج المحلي الإجمالي بأسعار ثابتة بنهاية الربع الثالث 2025،

مع نمو الاقتصاد 2.3% في 2025 مدفوعا بالقطاعات غير النفطية. إلا أنه بدلا من تصدير النفط الخام، الذي يعاني سعر برميل خام النفط تقلبات حادة، كما شهدنا انخفاض الأسعار بنسبة تصل إلى 12% أو أكثر في فترات سابقة، مما يفقدنا مليارات الدولارات، يجب التركيز على الصناعات التحويلية كالبتروكيماويات؛ حيث تشهد صادرات الميثانول والأمونيا طلبا قويا وارتفاعا متواصلا. ولقد أحسنت الحكومة العمانية بإنشاء مصفاة الدقم، بشراكة كويتية، لتكرير خام النفط ولقد أثبت هذا المشروع نجاحه، كما أن المطلوب التوسع في القدرة الإنتاجية للمصفاة مستقبلا، كما تسعى سلطنة عمان بشراكة كويتية لإقامة مصنع للبتروكيماويات. إن مثل هذا التوجه يقلل من الاعتماد على تقلبات أسعار النفط الخام بخلق صناعات تحويلية على الأراضي العمانية، وبلاشك بأن مثل هذه المشاريع ستخلق فرص عمل جديدة وترفع من القيمة المضافة للموارد الطبيعية.

في الختام، الطاقة الأحفورية نعمة إلهية مستمرة، والعالم يتصارع عليها. سلطنة عمان، بفضل قيادتها الحكيمة و«رؤية عمان 2040»، قادرة على الجمع بين الاستمرار في البحث والتنقيب والتوسع في الصناعات التحويلية. هكذا نحافظ على ثروتنا ونبني اقتصادا مرنا يصمد أمام حروب الطاقة المستقبلية.

أ.د سعيد بن مبارك المحرّمي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة السلطان قابوس