يكاردو هاوسمان - أندريس فيلاسكو
هل يمثّل ازدهار الذكاء الاصطناعي فقاعة اقتصادية؟ لا أحد يملك إجابة حاسمة، غير أن مقاربة هذا السؤال قد تكون أسهل عبر طرح تساؤل أكثر واقعية - وربما أكثر عمقًا: ما شكل الاقتصاد العالمي الذي ينبغي أن يتكوّن حتى تبدو التقييمات الحالية للأسواق منطقية؟
ولننظر إلى الحلقة الأساسية من الشركات التي تقف في صميم قصة الذكاء الاصطناعي: إنفيديا، وألفابت، وآبل، ومايكروسوفت، وميتا، وبرودكوم، وتسلا، وأوبن إيه آي، وأنثروبيك، وسبيس إكس - إكس إيه آي، وخدمات أمازون ويب. هذه المجموعة، في مجموعها، تجسّد رهانًا سوقيًا استثنائيًا، فوفق افتراضات متحفظة نسبيًا -أن تُتداول هذه الشركات بحلول عام 2036 عند مضاعف ربحية يبلغ 20، وأن تحقق هوامش صافية بنسبة 20%، وأن يأتي 65% من إيراداتها الإضافية من الخارج- فإنها ستولّد خلال عقد واحد نحو 2.4 تريليون دولار من الإيرادات السنوية الإضافية من الأسواق الأجنبية. وهو رقم يعادل تقريبًا إجمالي صادرات السلع الأمريكية اليوم، ويتجاوز بأكثر من الضعف عجز الحساب الجاري للولايات المتحدة.
صحيح أن الولايات المتحدة ستضطر إلى استيراد بعض المدخلات -مثل أشباه الموصلات- لتقديم هذه الخدمات. كما أن العوائد لن تتدفق بالكامل إلى الأمريكيين، نظرًا لامتلاك مستثمرين أجانب حصصًا في شركات التكنولوجيا الأمريكية، غير أن هذا الأثر يظل محدودًا؛ إذ تشير التقديرات إلى أن ملكية الأجانب لا تتجاوز 15 إلى 20% من مؤشر S&P 500.
هذه الأرقام اللافتة تدفع إلى إعادة التفكير في كثير من النقاشات الاقتصادية العالمية الراهنة. فعلى مدى سنوات، تمحور الجدل حول الاختلالات العالمية حول سؤال تقليدي: إلى متى يمكن للولايات المتحدة الاستمرار في تسجيل عجز خارجي كبير؟ لكن إذا كانت الأسواق محقّة -ولو جزئيًا- في تقديراتها بشأن الذكاء الاصطناعي، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا يصبح: كيف سيتمكن بقية العالم من تمويل المطالب المتزايدة لرأس المال الأمريكي في مجال الذكاء الاصطناعي من الدخل العالمي؟
وتعتمد الدول في تمويل وارداتها على صادرات السلع والخدمات، أو عوائد الاستثمار، أو بيع الأصول، أو الاقتراض، غير أن الولايات المتحدة تتجه نحو مزيد من الحمائية، ما يصعّب على الاقتصادات الأخرى كسب الدولارات اللازمة لشراء السلع والخدمات الأمريكية. وهنا يبرز تناقض جوهري: لا يمكن لواشنطن أن تتوقع تدفقات مالية ضخمة نحو شركاتها في مجال الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت ذاته تقيّد القنوات التي تمكّن بقية العالم من تحقيق القوة الشرائية.
هذا التوتر يحمل في طياته تداعيات سياسية بعيدة المدى. فشركات وادي السيليكون وحركة «ماغا» التي يقودها دونالد ترامب قد تبدوان ضمن تحالف سياسي واحد، لكن مصالحهما الجوهرية ليست متطابقة. فإذا كانت تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي تعتمد بدرجة كبيرة على نمو الإيرادات الخارجية، فإن الوصول إلى الأسواق العالمية ليس خيارًا ثانويًا، بل شرطًا أساسيًا لاستدامة هذه التقييمات. وفي المقابل، فإن الدول التي يُفترض أن تشتري المنتجات والخدمات الأمريكية على نطاق غير مسبوق يجب أن يُتاح لها أيضًا تصدير ما يقابل ذلك.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد. فالتوسع الكبير في الصادرات الأمريكية لا يمكن استيعابه إلا إذا انخفضت أسعارها النسبية، أي إذا تحسّنت شروط التبادل التجاري لصالح بقية العالم. وهو ما يزيد تعقيد المعضلة السياسية التي تواجه التيارات الحمائية. ومن هذا المنظور، يبدو أن كثيرًا من النقاشات التجارية الدائرة اليوم قد أصبحت متجاوزة. فالتركيز على العجز الثنائي والتعريفات الجمركية يبدو ضيق الأفق، بل وأقل صلة، إذا ما قورن باحتمال تدفقات مالية هائلة ومتكررة نحو عدد محدود من شركات التكنولوجيا الأمريكية.
وإذا كانت التقييمات الحالية دقيقة إلى حد كبير، فإن المرحلة المقبلة من العولمة لن تتمحور حول العجز التجاري الأمريكي، بل حول حاجة العالم إلى الدفع مقابل الوصول إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي التي تملكها الولايات المتحدة. ولا يمكن إغفال الأبعاد الجيوسياسية الأوسع. فمن غير المرجح أن يقبل بقية العالم ترتيبًا يفرض عليه مدفوعات ضخمة ومتكررة لصالح عدد محدود من الشركات الأمريكية. وستسعى الدول إلى تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة، عبر دعم البدائل المحلية، وفرض متطلبات لاستضافة البيانات، وتفضيل الشركات الوطنية في المشتريات، وتشديد سياسات المنافسة، وابتكار أطر ضريبية وتنظيمية جديدة لاستعادة جزء من هذه العوائد.
وإذا كانت التقييمات الحالية صحيحة، فإننا لا نتجه فقط نحو مرحلة من هيمنة الشركات الأمريكية، بل أيضًا نحو تصاعد المقاومة العالمية لهذه الهيمنة.
هذا السيناريو لا يشير إلى تراجع القوة الأمريكية بقدر ما يعكس تحولًا في طبيعتها. ففي القرن العشرين، استندت قوة الولايات المتحدة إلى حجمها الصناعي، وانتشارها العسكري، وهيمنة عملتها. أما في القرن الحادي والعشرين، فقد تستند بشكل متزايد إلى ملكية البنية التحتية الحيوية للذكاء الاصطناعي. وسيكون التحدي أمام العالم هو كيفية دفع ثمن الوصول إلى هذه البنية، بينما يتمثل التحدي أمام الولايات المتحدة في تسويق خدماتها عالميًا في ظل تصاعد النزعات الحمائية والضغوط الضريبية.
قد تكون التقييمات الحالية فقاعة بالفعل. وقد تكون الأسواق مصيبة في تقديرها للتكنولوجيا، لكنها مخطئة في تقديرها للسياسة والضرائب. أو ربما تعكس هذه التقييمات نظامًا اقتصاديًا جديدًا تستحوذ فيه مجموعة محدودة من الشركات الأمريكية على حصة غير مسبوقة من الدخل العالمي.
لكن إذا كان هذا هو الاتجاه الذي يسير نحوه المستقبل، فإن النقاش العام يبدو منشغلًا بالأسئلة الخاطئة. فالقضايا الحاسمة في العقد المقبل لن تكون التعريفات الجمركية أو العجز التجاري أو حتى الحديث عن تراجع الولايات المتحدة، بل ستدور حول كيفية مكافأة العالم لرأس المال الأمريكي في مجال الذكاء الاصطناعي، وإلى متى يمكن للحمائية أن تصمد أمام هذا الواقع، ومن يملك الحق في فرض الضرائب على هذه العوائد.
ريكاردو هاوسمان، وزير التخطيط السابق في فنزويلا، وكبير الاقتصاديين السابق في بنك التنمية للبلدان الأمريكية، يشغل حاليًا منصب أستاذ في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، ومدير مختبر النمو في هارفارد.
أندريس فيلاسكو، وزير المالية السابق في تشيلي، يشغل منصب عميد كلية السياسات العامة في كلية لندن للاقتصاد.