عجّلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بانكشاف الأساس الذي قام عليه أمن الخليج طوال عقود. فقد استنفد هذا المنطق مبررات بقائه، وبات في حاجة إلى مراجعة عاجلة. فلم تعد وفرة السلاح، وقوة الحلفاء، وحجم المصالح الدولية في المنطقة، عناصر كافية لضمان أمن الخليج واستقراره كما كان متصورا في السابق. لم تكن دول الخليج صاحبة قرار الحرب على إيران، ولم تكن طرفا في إشعالها، لكنها وجدت نفسها داخل ميدانها السياسي والاقتصادي والعسكري، فيما باتت منشآتها الحيوية وممراتها البحرية أقرب إلى دائرة التهديد المباشر. وأصبحت حياة المدنيين نفسها جزءا من دائرة الخطر. وشعرت دول الخليج أن الأمن الإقليمي ليس ملفا منفصلا عن الحياة اليومية، ولا مسألة يمكن تركها بالكامل لإرادة الحلفاء أو حساباتهم.

المراجعة المطلوبة تتجاوز الترسانة، والقلق من إيران، وتقييم أداء الحليف الأمريكي. السؤال الأهم هو: على أي فكرة يريد الخليج أن يبني أمنه؟ ذلك أن الأمن، في معناه الاستراتيجي العميق، لا يقوم على رد الفعل، ولا على الاستجابة الظرفية لكل أزمة، وإنما يقوم على تصور متماسك للعالم المحيط، ولمصادر الخطر، ولأدوات الردع، وحدود القوة، وطرق منع الانفجار قبل وقوعه. وإذا غابت هذه الرؤية فإن السياسة الأمنية تتحول إلى إدارة متقطعة للتهديدات، لا إلى بناء طويل الأمد للاستقرار.

أظهرت الحرب أن الاعتماد على الضمانة الخارجية، مهما بلغت قوتها، لا يمنح دول الخليج سيادة فعلية على أمنها. دخلت الولايات المتحدة، الحليف الأمني الأكبر للخليج، الحرب وفق أولوياتها، وقررت الهدنة وفق حساباتها، وستدير مرحلة ما بعد الحرب بما يخدم مصالحها الأشمل، وفي صلبها أمن إسرائيل. أما دول الخليج والدول الأخرى الواقعة في الجغرافيا نفسها، فإنها تدفع كلفة الحرب والتصعيد، سواء أشاركت في الحرب أم حاولت النأي بنفسها عنها. هذا هو جوهر مأزق دول الخليج؛ فالمنطقة، رغم حيويتها وأهميتها للعالم، شديدة الانكشاف في الوقت نفسه؛ لذلك لم يعد ممكنا، في ضوء هذه اللحظة التاريخية ومعطياتها، أن يبقى الخليج مكتفيا بصيغة أمنية جوهرها أن الآخرين سيأتون دائما لحماية التوازن عند لحظة الخطر.

يحتاج الخليج اليوم إرادة قوية للانتقال من أمن الرعاية الخارجية إلى أمن القدرة. والمقصود بالقدرة هنا معنى أشمل من امتلاك السلاح. المقصود هو بناء بنية أمنية خليجية متماسكة، ترى المنطقة كوحدة استراتيجية واحدة في مسائل الإنذار المبكر والدفاع الجوي والصاروخي والأمن البحري وحماية البنية التحتية، والأمن السيبراني، واستمرارية عمل المرافق الحيوية في ظروف الأزمات. تعاملت دول الخليج مع أمنها كما لو أنه مجموع سياسات وطنية متجاورة. لكن التهديدات التي برزت في الحرب الأخيرة قالت شيئا مختلفا تماما. لا تقرأ أدوات الحرب الحدود بالطريقة التي تقرأها المؤسسات الوطنية. ولهذا فإن أي تصور جاد لأمن الخليج يجب أن يبدأ من التكامل، لا من التجاور.

غير أن بناء هذا التكامل لا يكفي وحده. فالأمن في الخليج لا يُصنع بالقوة العسكرية فقط، لأن المشكلة نفسها ليست عسكرية فقط. إيران باقية في الجغرافيا، وباقية في المعادلة الأمنية والعسكرية، مهما تكن نتيجة الحرب. وهي قادرة على إبقاء كلفة التوتر مرتفعة في محيطها وفي حسابات خصومها. وهذا يضع دول الخليج أمام حقيقة أن الردع وحده لا يستطيع أن يبني نظاما مستقرا. النظام المستقر يحتاج إلى قدرة مزدوجة: حماية فعالة، وإدارة واعية للتوتر. أي عقيدة أمنية خليجية جديدة ينبغي أن تتضمن، إلى جانب البنية الدفاعية الصلبة، قنوات اتصال دائمة، وآليات واضحة لخفض التصعيد، وقواعد اشتباك تمنع المنطقة من الانزلاق السريع إلى المواجهة الواسعة.

وهنا تظهر الحاجة إلى قدر من النضج السياسي يوازي الحاجة إلى التطوير العسكري. المطلوب في الخليج اليوم هو صياغة موقع جديد داخل التحالفات، لا خارجها. موقع يمنح دول الخليج قدرة أكبر على تعريف مصالحها الأمنية بنفسها، وعلى التفاوض من موقع أوضح، وعلى تنويع شراكاتها من دون تبديد بوصلتها الاستراتيجية.

إذا لم تُنتج هذه الحرب في الخليج عقلا أمنيا جديدا، فإن المنطقة ستبدأ في استنزاف الأساس الذي قام عليه استقرارها خلال العقود الماضية. وعندها سيتسع الخطر من المجالين السياسي والأمني إلى النموذج التنموي نفسه، وإلى قدرة الخليج على صون ما راكمه من ازدهار وثقة ومكانة.