فسّر البعض تغيير شروط استحقاق منفعة كبار السن على أنه تراجع عن خطأ تحت ضغط الشارع، لكنه في الواقع كان تطبيقًا مرحليًا، وهو نهج شائع في أنظمة الحماية الاجتماعية. فعندما صرف مبلغ (115 ريالا) لجميع من تجاوز سن الستين دون تمييز بدا القرار للبعض مستغربا، بل حتى مجحفا: كيف تُصرف المنفعة للأثرياء وكبار المسؤولين؟

لكن الحقيقة أن هذا القرار جاء في مرحلة شهدت واحدة من أسرع وأوسع حركات الإصلاح في نظام الحماية الاجتماعية في المنطقة، وهو ما استدعى السرعة والسهولة في التطبيق. فالأنظمة الشاملة هي الأسهل تنفيذا؛ إذ لا تتطلب التحقق من الدخل، وهو ما قد يسبب تعقيدات إدارية وتأخيرا في الصرف. وكان الهدف حينها هو الوصول السريع لكل المستحقين دون أخطاء أو استثناءات.

إلى جانب ذلك كان للشمول دور مهم في بناء الثقة المجتمعية؛ فعندما يحصل الجميع على المنفعة يقل الشعور بالتمييز، وترتفع نسبة القبول، ويشعر الناس أن النظام «لهم جميعا»، وهو أمر بالغ الأهمية في المراحل الأولى لأي نظام جديد. كما أن التطبيق الشامل يتيح اختبار النظام على أرض الواقع من خلال جمع بيانات دقيقة، وفهم سلوك المستفيدين، وقياس الأثر المالي للتعديلات، وبذلك يمكن اعتباره مرحلة اختبار عملي.

لكن بعد التطبيق ظهرت تحديات لا يمكن تجاهلها، أبرزها العدالة في توزيع الموارد. وهنا برز السؤال: هل من المنطقي أن يحصل المقتدر وغير المقتدر على نفس الدعم؟ لتتحول العدالة من مفهوم «المساواة»: (الجميع يحصل) إلى «الإنصاف»: (كلٌّ حسب حاجته). كما برزت قضية الاستدامة المالية؛ فالأنظمة الشاملة مكلفة بطبيعتها، خاصة مع تزايد أعداد كبار السن، والتوسع في برامج الحماية الاجتماعية.

ولا يمكن إغفال ردة فعل المجتمع؛ فالمفارقة أن الشمول الذي كان هدفه كسب القبول هو ذاته الذي أثار الجدل؛ إذ بدا للبعض أن الموارد تُصرف لغير المحتاجين بينما كان يمكن توجيهها بشكل أكثر كفاءة ما جعل الضغط المجتمعي أحد عوامل التعديل.

بالتالي يمكن تلخيص ما حدث في ثلاث مراحل واضحة: إطلاق شامل لضمان الوصول وبناء الثقة، ثم قراءة الواقع ماليًا واجتماعيًا، ثم التوجه نحو الاستهداف لتحقيق العدالة والاستدامة. وهذا ليس تراجعًا، بل تطور طبيعي لأي نظام حي.

فالتحدي الحقيقي ليس في القرار الأول أو الثاني، بل في الفجوة بينهما؛ فحين اعتاد الناس على المنفعة، ثم أُعيد تعريفها تحولت في وعي البعض من «مبادرة دعم» إلى «حق مكتسب»، وهنا نشأ الشعور بالامتعاض. بالتالي ما حدث في سلطنة عمان ليس استثناءً، بل مسار معروف في بناء أنظمة الحماية الاجتماعية: تبدأ بالشمول لكسب الثقة، ثم تتجه نحو الاستهداف لضمان العدالة والاستدامة. ويبقى الدرس الأعمق أن فهم السياسات لا يكتمل بالنظر إلى القرار فقط، بل بفهم المرحلة التي جاء فيها، وما الذي يسعى لتحقيقه.

حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية