تدخل واشنطن وطهران التفاوض فيما الحرب لم تغادر الطاولة بالكامل. فوقف إطلاق النار الذي بدأ فجر الأربعاء فتح بابا سياسيا جديدا، لكنه لم ينهِ المنطق الذي برّر الحرب، ولا اللغة التي أدارتها، ولا التناقضات التي تجعل أي تهدئة قابلة للانكسار.
غير أن خبرة الحروب تقول إن وقف إطلاق النار قد يوقف الصواريخ إلى حين، لكنه لا يصنع السلام بمجرد إعلانه. وهذه الحقيقة التاريخية تكتسب أهمية مضاعفة في اللحظة التي تنتقل فيها واشنطن وطهران من المواجهة المفتوحة إلى التفاوض، تحت ظل حرب أعادت تشكيل المشهد الاستراتيجي في الشرق الأوسط، فيما لا يزال المنطق الذي بُررت به قائما إلى اليوم.
والخطر الحقيقي الآن أن المنطقة تتعامل مع الهدنة كما لو أنها دليل كافٍ على عودة الدبلوماسية. صحيح أن الدبلوماسية عادت إلى الطاولة، لكنها عادت مثقلة بمفردات الإكراه، والسقوف التفاوضية القصوى، والملفات التي لم تُحسم بالحرب.
ومن أبرز ما كشفته هذه الحرب ذلك التباين في اللغة السياسية لدى الطرفين. فإيران، بصرف النظر عن مواقفها في الإقليم، بدت محافظة على قدر ملحوظ من الاتساق في موقفها العلني طوال الحرب. فهي تطلب ضمانات أمنية، ورفع العقوبات الاقتصادية أو تخفيفها، والتمسك بحقها في التخصيب النووي السلمي، والاعتراف بوزنها الإقليمي. أما دونالد ترامب، فقد تنقّل مرارا بين أهداف متبدلة، من منع إيران من امتلاك قدرة نووية، إلى الحديث عن نصر كامل، إلى التلويح بتدمير واسع، ثم إلى تغيير النظام، وصولا إلى تهديد يتجاوز السياسة إلى الحضارة نفسها. وهذا التباين لا يؤسس لمعادلة أخلاقية بين الطرفين، ولا يمنح شرعية لأجندة طهران، لكنه يكشف حقيقة بنيوية في مسار التفاوض هي أن الاتساق قد يصنع نفوذا حتى لدى دولة مثخنة بالجراح، بينما يضعف التقلب الخطابي تماسك القوة نفسها.
ومع ذلك، فإن الاتساق في الحرب لا يتحول إلى قدرة على صناعة السلام. فالوضعية التي تساعد الدولة على احتمال الهجوم الخارجي قد تصبح عائقا حين يغدو التنازل ضرورة. والحكومة التي حافظت على بقائها عبر الانضباط الأيديولوجي، والثبات الخطابي، والتحدي الاستراتيجي، ستجد صعوبة في تفسير أي تنازل يفرضه التفاوض داخل منظومة الاعتقاد التي تستند إليها.
ولهذا تبدو الهدنة الحالية هشة حتى لو قادت إلى طاولة التفاوض؛ فالنزاع لم يعد محصورا في أجهزة الطرد المركزي أو مخزونات اليورانيوم. لقد امتد إلى بنية النظام الإقليمي نفسها: الوجود العسكري، والحلفاء في الإقليم وحرية الملاحة والردع والسيادة وحق كل طرف في تعريف الأمن بشروط يراها الطرف الآخر غير مقبولة. ولا تبدو هذه خلافات تقنية يمكن أن تفككها الوساطة الماهرة؛ إنها رؤى متنافسة حول الشرق الأوسط نفسه.
سيكون الإغراء في واشنطن هو قراءة وقف إطلاق النار بوصفه دليلا على أن القوة الساحقة قد استعادت النفوذ الأمريكي. وسيكون الإغراء في طهران هو تقديم البقاء على أنه تثبيت استراتيجي للموقع، والمطالبة بمكاسب سياسية بحجم هذا الصمود. وفي كلتا القراءتين شيء من الحقيقة. لكن أيا منهما لا يكفي. فالضغط العسكري قد يغيّر الحسابات، لكنه لا ينتج، بذاته، تسوية سياسية مستقرة. والبقاء تحت القصف قد يولد قوة تفاوضية، لكنه لا يمحو حجم الدمار، ولا التوترات الداخلية التي تتركها الحرب وراءها.
إن أي تسوية قابلة للحياة تحتاج إلى واقعية أكثر صرامة وهدوءا من تلك التي تولدها نشوة الغلبة. فالاستقرار الإقليمي لا يتشكل عبر ضربات متقطعة، ولا عبر هدن سريعة الارتجال، ولا عبر مفاوضات تدخلها الأطراف وهي تستبقي في ذهنها جولة التصعيد التالية. ما تحتاجه المنطقة هو تصور أمني تصبح فيه التهدئة جزءا من بنية سياسية مستقرة، لا مجرد إجراء تكتيكي مؤقت، ويُنظر فيه إلى الممرات الحيوية، وسيادة الدول، وحدود استخدام القوة، بوصفها أسسا لنظام إقليمي مشترك، لا أوراقا مؤقتة على طاولة المساومة.
إن السلام الحقيقي يبدأ عند اللحظة التي تقبل فيها القوة بحدودها. وإلى أن يحدث ذلك، سيظل الشرق الأوسط ينتقل من القصف إلى التفاوض ثم يعود إلى القصف من جديد، خالطا بين الانقطاع والتسوية، وبين الإنهاك والنظام.