أعادت الحرب الدائرة مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث، واحتل المضيق عناوين الأخبار في كل مكان، فكأن العالم بأسره يحاول العبور في تلك الكيلومترات البسيطة في حلق المضيق، وهي المنطقة التي تشكل أضيق موضع من مضيق هرمز بين جزيرة سلامة الكبرى وجزيرة لاراك، حيث لا يزيد عرض المسارين الصالحين للملاحة في المضيق عن ٣ كيلومترات إلا قليلا.

لقد ظل تهديد إغلاق المضيق قائما وماثلا لدى الجميع قبل الحرب، وكتبت كيتلين تالمادج (٢٠٠٨) بحثها المعنون بـ (وقت الإغلاق: تقييم التهديد الإيراني لمضيق هرمز)، ترجمه للعربية عام ٢٠٠٩ مركز الإمارات للدراسات، وفيه تتّبع تالمادج المصاعب التقنية العسكرية المحدقة بمحاولات الولايات المتحدة الأمريكية فتح المضيق إذا قررت إيران إغلاقه، وهو الواقع اليوم، وكانت دراستها قد خلصت في ذلك الوقت إلى أن التهديد الأكبر يقع في حرب الألغام، وهو الأمر الذي عادت فأكدت عليه الكاتبة مجددا في مقالها المنشور في مارس من هذا العام ٢٠٢٦، ذلك أن الأمر واقعيا ليس بالسهولة التي قد يبدو عليها نظريا، وبالفعل أصبح مضيق هرمز هو الورقة الرابحة التي أعادت أطراف الحرب إلى طاولة المفاوضات الجارية في إسلام آباد.

لقد شكل مضيق هرمز منذ أقدم التواريخ المكتشفة نقطة محورية، وهذا ما دعا إلى تسميته بعدة أسماء منها فك الأسد، دلالة على تحصينه الجغرافي الطبيعي، وعبر التاريخ البحري كانت الملاحة في المضيق تتطلب معرفة وخبرة، منذ عصور ما قبل التاريخ وأيام السومريين، وهو الأمر الذي كان أحمد بن ماجد يؤكد عليه في كتبه المنشورة، وهو ابن المنطقة تقريبا، واكتسب خبرته من مثل هذه المسارات المعقدة، خاصة تلك المحيطة بالسواحل والجزر، بل يقال إن المثل الشائع «عوير (في رواية كسير) وزوير وإبليس ما فيه خير» إنما هي إشارة إلى أسماء رؤوس بحرية خطيرة تهدد السفن في المضيق ومنطقة رؤوس الجبال في مسندم.

من أهمية هذا المضيق نشأت مملكة هرمز في تاريخها، على فترتين، قامت فيها مملكة قوية بسطت سيطرتها على المناطق المحيطة بها والمدن الساحلية من الخليج العربي والعماني، إلى سقوطها الأول إثر غزو التتار (المغول) حين بسطوا نفوذهم على بلاد فارس (١٣٠١م)، فانتقل سكانها إلى جزيرة قسم (قشم) وتأسست مملكتهم الثانية هناك والتي ازدهرت بدورها وحاولت ضم بقية المناطق المحيطة إليها، بما في ذلك غزوها الشهير لعمان في ١٤٦٠م إذ وصلت قواتها إلى بهلا، وذلك في عصر النباهنة. ثم تحالف الهرمزيون مع النباهنة في أواخر عهدهم، الذي توافق مع بداية وصول البرتغاليين.

وقد ازدهرت تجارة هرمز في تلك المرحلة (ق١٤، ق١٥م) واشتهرت بتجارة اللؤلؤ والحرير والمنسوجات، وكانت لها عملة منسوبة إليها، وزارها عدد من الرحالة العالميين منهم ابن بطوطة وعبد الرزاق السمرقندي الأفغاني، وزهانغ هي الصيني، واتناز نيكيتين الروسي، وذلك حتى سقوط المملكة وتدميرها على يد البرتغاليين منتصف القرن ١٥م.

في عهد البرتغاليين ولوا على الجزيرة واليا هرمزيا ثم نفوه إلى لشبونة واستبدلوه بوزير عربي يدعى راشد المسقطي، ثم ابنه أحمد من بعده، ثم تعاقب عليها عدد من الوزراء الفرس إلى قيام الدولة اليعربية.

وقد تضعضعت أهمية الجزيرة بعد تدمير البرتغاليين لها، وقيام ميناء جديد هو بندر عباس عام ١٦٢٢م، وفي تلك الفترة هاجر سكانها إلى أمكنة مجاورة، منها الجزيرة العربية وعمان، وقد سكن بعض الهرمزيين في إزكي، وفي الرستاق، ومنهم الطبيبان -اللذان يذكرهما الطبيب العماني راشد بن عميرة- كمال الدين اللاري ونصر الهرمزي وكانا في وادي السحتن بالرستاق.

تلك الأهمية التاريخية نفسها هي التي جعلت الرحالة الإنجليزي توماس هربرت ١٦٢٢م، يقول عن هرمز مقولة يمكن تمديدها لقرون «إذا كان العالم خاتما فإن هرمز جوهرته»، وهي الأهمية التي أعادت هذه الحرب الواقعة بعد قرون عديدة من ذلك التاريخ تأكيدها، فبواسطة هذه الجوهرة أمكن إيران أن تجعل قوة عظمى كالولايات المتحدة، وهي في أشد عصورها غطرسة ولا مبالاة بالغير، توقف عدوانها وتوافق على العودة للمفاوضات التي كانت قد نسفتها وأعرضت عن إتمامها بداية الحرب، لكن السؤال الآن هو: من سيوقف إسرائيل؟

اتفق الإيرانيون والأمريكيون على الهدنة وبدء المفاوضات، لكن من يقنع إسرائيل بأن الحرب يجب أن تضع أوزارها؟ هكذا هاجمت إسرائيل بيروت في أعنف هجوم منذ بدء الحرب، وكأن الهجوم العنيف على بيروت تعبير عن الغضب الذي أجبر الوحشية على التوقف، فهي تبحث عن جهة تنفس فيها عن اندفاعتها حتى لو كان غزة المدمرة.

هذه هي المعضلة التي تمثلها إسرائيل بكل ملامحها، فائض أسلحة وعدوان ووحشية، بل وكيان اقتصادي مصمم لعالم لا تتوقف حروبه عن الاشتعال.

وهذا ما يجعل الناتج المحلي الإجمالي GPD الإسرائيلي يتفاعل إيجابيا مع الحروب، حتى غدت الحصة الأكبر من الصادرات الإسرائيلية مركزة على التقنيات والمعدات العسكرية والأمنية، بل اتخذت إسرائيل من عدوانها وأساليبها العنصرية ضد الفلسطينيين والعرب نموذجا للتسويق.

وهكذا أصبحت الكوارث التي تتسبب فيها نار الحروب الإسرائيلية التي تواصل الاشتعال تتحول إلى دافع اقتصادي وركيزة اقتصادية، ينهض عليها الاقتصاد الإسرائيلي وبحسبة بسيطة فإن بقاء الاقتصاد الإسرائيلي مبني على عالم لا تتوقف حروبه ونزاعاته.

فإذا أضفنا تجارة الألماس التي تحتل المرتبة الثانية في الصادرات الإسرائيلية، وهي التجارة القائمة على ما يعرف بألماس الدم؛ نسبة للعصابات المسلحة والعنف الذي تمارسه والفوضى التي تتسبب فيها في بلدان إفريقية تصدر الألماس مثل الكونغو وأنغولا وسيراليون، والتي تعاني رغم ثرواتها من الانهيار الاقتصادي وتنامي الفقر، وتبدو أحوالها الاجتماعية على النقيض والضد من أحوال المستهلكين الأثرياء للمعدن النفيس، لكن هذه المعادلة هي المعادلة المربحة التي يبدو أن إسرائيل تنهض عليه اقتصاديا، وربما يرى فيها سياسيوها المستقبل الوحيد لاستمرارها، لكنه يبدو مستقبلا غير المستقبل الذي نعرفه.

وكتب بيتر بياومنت في صحيفة ذي جارديان الأسبوع الماضي أنه قبل الحرب الأخيرة على إيران بيوم واحد أظهر استبيان أمريكي للرأي أعدته مؤسسة جالوب Gallup أن أغلب الأمريكيين يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، وذلك لأول مرة منذ بدأت المؤسسة سلسلة استبياناتها عام ٢٠٠١، كما أظهر استبيان لمنظمة صهيونية داعمة هي J street أن ٦٠٪ من الناخبين اليهود الأمريكيين يعارضون الحرب الحالية على إيران، ومن قبل عام ٢٠٢٤م كانت شركة هنلي وشركاؤه البريطانية قد ذكرت أن أكثر من ألف وسبعمائة مليونير إسرائيلي قد فروا من إسرائيل منذ ٢٠٢٣م، ولا شك أن العدد في تزايد منذ ذلك الوقت، كما صرحت هيئة سوق المال الإسرائيلية أنها تتوقع في العقد القادم خسارة اقتصادية بحجم ٤٠٠ مليار دولار تتسبب بصدمة اقتصادية مؤثرة.

بعد ذلك كله يبدو أن هذا العنف الذي تواصل إسرائيل ممارسته هو في الواقع عكس ما يبدو، وكأنه ضربات يائسة عنيفة، في حالة التدمير الذاتي، ولا شيء سيمنعها من مضيها أكثر في هذا الدرب المظلم حتى لو اضطرت لمواجهة حلفاء الأمس واليوم، أو توجيه طائراتها ليس لإيران والعرب بل حتى إلى أوروبا وأمريكا، أو العالم أجمع، وما استمرارها في مواصلة الضربات على الجبهة اللبنانية -رغم الهدنة- إلا رسالة بيّنة إلى أنها غير مكترثة بما يتهدد العالم أو الغرب من أزمات اقتصادية واضحة نتيجة استمرارها في سياساتها الحربية ونشر الفوضى والعنف في المنطقة، بل يبدو أن إسرائيل تسعى بكل قوة كي تتحرر من التبعية الأمريكية والاتكال على أمريكا والغرب لتحتكر الإرهاب في هذه المنطقة لها وحدها دون شريك أو منازع.

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني