تفعل اللغة فعلها منذ قديم الزمان، منذ أن تكلم الإنسان الأول، فلقد «منح الله الإنسانَ اللغة ليدلَّ على ما هو عليه، وهي (أي اللغة) أخطر المَلَكات» كما عبر أحد أعظم شعراء الرومانسية الألمانية المبكرة، فريدرش هولدرلين، والذي طار به هايدغر من شدة الإعجاب، مستخلصًا من شعره الفلسفة التي رأت في اللغة بيتًا لوجودنا على هذه الأرض. إذن، ما دامت اللغة تفعل فعلها، فذاك يعني أنها سلوك يفضح المتكلم، على النحو الذي تريده حكمة سقراط القديمة: «تكلم حتى أراك»!

في ضوء حكمة سقراط، هل يمكن أن نحاسب أكثر الشخصيات جدلًا في عالمنا اليوم؟ هل يمكن أن نحاسب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على كلامه؟ يحب هذا الرجل الكلام أكثر مما يجيد ممارسة السياسة. يتخيل العالم جمهورًا لكلامه فحسب. وما إن يثرثر أو يتفوه بكلام مقتضب أو يضع منشورًا على موقع «تروث سوشال» حتى تحول وسائل الإعلام كلامه إلى حدث أو واقعة، وهذا بحد ذاته سبب كافٍ لتغذية نرجسيته الطاغية.

بصرف النظر عن تضارب الصدق والكذب في ما يقول، لا يمكن في واقع الأمر أن نتخيل «سياسةً» بهذه الشفافية العفوية، وإلى الحد الذي تضفي فيه السذاجة على الشر نوعًا من البراءة الطفولية. لا توجد سياسة بلا أسرار لو عدنا إلى الفيلسوف الكوري الجنوبي بيونج تشول هان في كتابه «مجتمع الشفافية»؛ فبما أن الشفافية تقضي على السرية فهي تعلن نهاية السياسة بالضرورة.

أعتقد أن وصف الأسلوب الخطابي لترمب بسياسة «الغموض البناء» الموحي بالتنافر المزاجي بين قول الشيء ونقيضه في آن، فيه شيء من المبالغة التي تتوسم في هذا الشخص ذكاء لا يملكه. كما أن التمادي في الفصل بين كلام الرئيس الأمريكي ونواياه الحقيقية لن يمنحه سوى المزيد من الحرية بذريعة الجنون. فلا يجوز بأي حال من الأحوال إعفاء رئيس الولايات المتحدة من المسؤولية السياسية، قبل الأخلاقية، لكلامه العلني.

ترمب ليس بشاعر، بل هو لسوء الحظ رئيس أقوى دولة في العالم، وينام على مفاتيح سلاح نووي يُوصف بقدرته على تدمير كوكب الأرض لمرات مضاعة. فأن يخرج شخص مثله ليتوعد أمةً كاملةً بالإبادة، واصفًا شعبها بالحيوانات، ومهددًا بمحو حضارتها وردّها إلى العصر الحجري، فذاك هو الحلول الوشيك للكارثة التي تبدأ بمجرد أن تدخل هذه الألفاظ حيز التداول. الحديث عن الإبادة علنًا بهذا المستوى من الجرأة المنفلتة من أي إحساس بالمسؤولية، يعني إخراج الكلمة من جمود اللفظ إلى المعنى، والمعنى كائن حي.

في كاتبه «العنف.. تأملات في وجوهه الستة»، يعرج سلافوي جيجيك على فلسفة هيجل بالتساؤل: ماذا إذا كان البشر متفوقين في قدرتهم على ممارسة العنف على الحيوانات تحديدًا، لأنهم يتكلمون؟ فقد كان هيغل «مدركًا سلفًا أن هناك شيئًا عنيفًا في كل ترميز لهذا الشيء أو ذاك، شيئًا عنيفًا يوازي إماتته. تتولى اللغة مهمة تبسيط الأمر المعين، مختزلة إياه إلى إشارة واحدة. إنها تمزق الشيء، وتنسف وحدته العضوية، وتتعامل مع أجزائه وخصائصه، كما لو كانت مستقلة. إنها تقحم الشيء في حقل معنىً هو خارجي بالنسبة إليه في نهاية الأمر».

بالعودة إلى هولدرلين، تصبح اللغة «أخطر المَلَكات» لأنها الحقل الأولي الذي يتشكل فيه العنف قبل أن يظهر في صورته المادية. ما يُنطق يدخل إلى مجال التفكير، وبالتالي فإن ما يدخل مجال التفكير قد يُخضع بالتكرار والعادة لإمكانية تبريره. إن مجرد القبول بهذا المستوى من الإبادية اللغوية الواضحة، والتطبيع مع تداولها واقتباسها حرفيًا بكل لغات العالم، دون أدنى احتجاج يُذكر، ليس سوى علامة انحطاط تنذر بهلاك العالم. وسواء نفذ ترمب وعيده أم تراجع عنه، يبقى أن اللغة قد قطعت في عنفها حدًا غير مسبوق لا يمكن الرجعة عنه بسهولة قبل أن تجرفنا اللغة إلى الهاوية.

سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني