فكرة البقاء وعدم اليقين التام بأن رحلة العمر قد تنتهي سريعا وبدون مقدمات حتى هذه اللحظة أصبحت جزء من فكر سائد لدى بعض الأشرار من البشر، فهناك من لا يعترف صراحة بحتمية الموت المفاجئ او توقع قدومه في هذا العمر او خلال اللحظات القليلة المقبلة!.
هذا ليس تجني او ضرب من خيال خادع، بل للأسف فكر عقيم تاصل في اذهان بعض العصاة الذين يرون ان امد الحياة قد يطول الى اعمار متقدمة تقارب المائة عام او اقل بقليل، وطالما انه في مرحلة الشباب فأن الطريق لا يزال طويلا امامه يفعل فيه ما يشاء ويعيش كيفما يريد!.
عدد من الناس، يعتقد بأن للموت مقدمات ومسببات كحالة مرضية مستعصية او وقوع حوادث متفرقة، لكن طالما انه صحيح الجسد قوي البنية، خال من الامراض، فان انياب الردى ستكون بعيدة عنه.
في الحقيقة أن الموت لا يحتاج لكل هذه التاويلات خاصة وان موت الفجأة اصبح امرا شائعا في الحياة اليومية، شباب في عمر الزهور يرحلون بدون اوجاع او أسباب ولذا نتفاجئ برحيلهم عن عالمنا، ومن أبرز الآيات التي تشير إلى حتمية الموت ومجيئه بغتة عند وقته المحدد دون تقديم أو تأخير، وهو ما يجسد مفهوم "موت الفجأة" قوله تعالى:{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34].
اعلم أيها الانسان، بان دائرة الفناء تحيط بالإنسان سواء كان صغيرا او كبيرا، والموت عندما يأتي لا يتاخر فكل بني ادم له اجل محتوم لا يتقدم ولا يتأخر، لذا علينا ادراك أن الموت لا يحتاج " مسببات او مرتبط بوقت زمني "ليكتم انفاس البشر، اما الوهم الذي يروجه " الاهون في متاع الدنيا " فهو شيء من الغباء، رغم ان الحياة تثبت لهم بأن لا شيء مضمون او موثوق به، فالمنايا تحدق بارواح البشر، وعندها يدرك الناس الحقائق ولو بعد حين فـ"لا شيء يبقى، ولا مجد يدوم" في هذا الوجود الا الله تعالى.
في آخر سطور الحديث هناك نقطة، كذلك حياة الناس، مرتبطة بالنهايات وهي الموت او النقطة الفاصلة ما بين "لذة الحياة وللاحياة"، فكلما كان الانسان مستشعرا وجوده في الحياة ومصيره المحتوم، يجد نفسه مؤمنا يقينا بأن الموت يأتي بغته ولا يحتاج الى مرض او سبب حتى تفيض الروح الى خالقا لذا يكثر من الصالحات وكسب للحسنات حتى يلقى ربه وهو راض عنه.
يقول الاديب المصري الراحل د. أحمد خالد توفيق" الناجون من الضربات القاضية، يصابون بنوع من تلبد في المشاعر، يصبحون غير مبالين، فلا شيء يحزنم ولا امر يسعدهم، اصبحوا يعرفون جيدا حقيقة أن لا شيء يدوم ".
بالرغم من الحقائق والاحداث، تظل بعض الفرضيات البقاء قائمة في عقول البعض لان خيوط الامل طويلة، بحث عن مال ومنصب وجاه وملذات كثيرة، تحجب رؤيا النظر نحو القريب، فكل الحبال ملقاة على قارعة الطرقات، يجذبها الانسان كل يوم اليه دون أن يعي بأن لا شيء يبقى على حالة، فلا الصحة تبقى ولا القوة تدوم.
يقول الفيلسوف والروائي والكاتب المسرحي فرنسي جان بول سارتر:"إن الوجود الانساني محاط بالغموض واللامعنى، ونحن كبشر محكوم علينا بالبحث عن معنى لحياتنا في عالم لا معنى له، هذا هو جوهر المأزق الوجودي الذي واجهه الفلاسفة عبر التاريخ".
اقتبس شيئا شائعا مما كتب ونشر في صفحات ومدونات الكترونية: " حتمية "لا شيء يدوم للأبد" هي حقيقة كونية وفلسفية تعني أن التغيير هو الثابت الوحيد، حيث تزول القوة، الصحة، والمشاعر، وتتغير الظروف مع مرور الوقت. هذا المفهوم يدعو لتقبل زوال الأشياء، واستثمار اللحظات الحالية، والإيمان بأن الأحزان والهموم ستنجلي."
اذا كان الأشياء مآلها الى الزوال،فلماذا لا يتعظ الاخرين من دورس الماضي؟.
البعض يقول بأن هناك مساحة من الامل لتحقيق مزيدا من النجاحات وتغير بعض الواقع في بعض نقاط الإخفاقات، والبعض يرى بأن الحياة لا تزال تتسع للعيش فيها بحرية اكبر وامد أطول.. لهذا يجب الاستمتاع بما وجد وما سيوجد لاحقا حتى وان كان شيئا غير مستحقا ومنتزعا من الاخرين !.