قد يبدو الربط بين علم النحو في اللغة العربية ومعايرة معاملات الخوارزميات أمرًا بعيدًا للوهلة الأولى وعلاقة تكاد تكون مستحيلة، فالأول ينتمي إلى علوم اللغة، والثاني إلى عالم الحوسبة والذكاء الاصطناعي. لكن، وبقليل من التأمل، نجد أن كليهما يشترك في فكرة جوهرية واحدة: تنظيم النظام لتحقيق أفضل أداء ممكن.


في اللغة العربية، لا تكفي الكلمات وحدها لبناء معنى صحيح، بل تحتاج إلى نظام يحكم ترتيبها وعلاقاتها، وهذا هو دور النحو. فالجملة لا تستقيم بمجرد وجود المفردات، بل تتحدد دلالتها من خلال مواقع الكلمات ووظائفها. ولهذا نرى أن جملة مثل: "أكرمَ الأبُ الابنَ" تختلف كليًا عن: "أكرمَ الأبَ الابنُ"، رغم أن الكلمات نفسها لم تتغير، ففي الأولى الأبُ هو المُكرِم، وفي الثانية هو المُكرَم. إن الاختلاف هنا ليس في المحتوى، بل في "الضبط".


وفي عالم الخوارزميات، لا يكفي وجود نموذج أو طريقة حل، بل يعتمد نجاحه على كيفية ضبط المعاملات التي تتحكم في سلوكه، فيما يُعرف بمعايرة معاملات الخوارزميات (Parameter Tuning). فقد يؤدي اختيار قيم غير مناسبة لمعاملات مثل معدل التبريد (Cooling Rate) أو حدود التوقف (Stopping Criteria) إلى نتائج ضعيفة أو إلى توقف مبكر (Early Termination)، بينما يؤدي الضبط الجيد إلى حلول أقرب إلى المثالية.


ومن هنا، يمكن النظر إلى النحو بوصفه "نظام ضبط لغوي"، بينما تمثل معايرة المعاملات "نظام ضبط تقني". في كلا الحالتين، لا تتغير البنية التحتية للمنتج الأساسي، أي الجملة في اللغة أو النموذج (Model) في الخوارزمية، لكن جودة المخرجات (Solution Quality) تعتمد في جوهرها على دقة هذا الضبط.


ولعل من طريف أوجه التشابه ما نجده بين مفهوم الممنوع من الصرف في النحو العربي، وما تُعرف بالقائمة المحظورة (Tabu List) في خوارزميات البحث. فالممنوع من الصرف كلمات تُحجب عنها خصائص نحوية معينة كالتنوين والجر بالكسرة، لأسباب صوتية وصرفية دقيقة تصبّ في خدمة الاتساق اللغوي العام. فكلمة "مساجد" مثلًا تُجرّ بالفتحة لا بالكسرة فنقول "صلّيتُ في مساجدَ كثيرة"، وتأبى التنوين، لا عنادًا، بل لأن النظام اللغوي وجد في هذا المنع توازنًا أدق.

وعلى نحو مشابه في الشكل وإن اختلفت الآلية والغاية، تعمل Tabu List على منع الخوارزمية من استعادة حلول سبق اختبارها، لا لأنها خاطئة، بل لدفع مسار البحث نحو آفاق لم تُستكشف بعد. وقد طوّر البروفيسور Fred Glover هذه الخوارزمية في ثمانينيات القرن الماضي كأحد أساليب البحث الاستدلالي في علم التحسين. والجامع بين المفهومين أن "المنع" في كليهما ليس تضييقًا، بل هو أداة مدروسة لتوجيه النظام نحو أداء أفضل. النحو يفعل ذلك في فضاء المعنى وعلوم اللغة، والخوارزمية تفعله في فضاء الحلول وعلوم الحاسوب.


وثمة إشارة عابرة تستحق الالتفات: التكرار في الخوارزميات أو ما يُعرف بـ Iterations الذي يُحسّن الحل دفعةً دفعة، يحمل في روحه شيئًا من التكرار البلاغي في اللغة الذي يُراكم المعنى ويُعمّقه. لكن هذا وجه آخر يستحق مقالًا مستقلًا.


في ضوء ذلك، يتضح أن العلاقة بين النحو والخوارزميات ترقى لأن تكون علاقة تماثل وظيفي؛ فكلاهما يعمل على ضبط نظام معقّد، ويوازن بين الحرية والقيود، ويسعى إلى تحقيق أفضل نتيجة ممكنة ضمن إطار محدد. فالنحو ليس مجرد قواعد جامدة، بل هو هندسة للمعنى، كما أن معايرة معاملات الخوارزميات ليست مجرد أرقام، بل هي هندسة للأداء.


لا ندّعي أن النحو العربي "اخترع" الخوارزميات، ولا أن علماء اللغة تنبّأوا بالذكاء الاصطناعي. غير أن ما يكشفه هذا التأمل أعمق من المصادفة: فالعقل البشري، حين يواجه نظامًا معقدًا ويستصعب العمل معه، سواء أكان لغةً أم مسألةً رياضية، يلجأ إلى أدوات متشابهة في جوهرها: يضبط العلاقات، يُدير القيود، ويوازن بين الحرية والانضباط بحثًا عن أفضل نتيجة ممكنة.


وهذا التشابه الوظيفي بين النحو ومعايرة الخوارزميات يدعونا إلى شيء آخر مهم: إعادة قراءة تراثنا المعرفي لا بعيون الإعجاب الساذج، ولا بعيون الاستحياء أمام الحداثة، بل بعيون المقارنة الهادئة المتوازنة التي قد تكشف أحيانًا أن الحلول القديمة لمسائل قديمة تحمل مفاتيحًا تفتح بها أبواب مسائل اليوم.


ربما يكون أجمل ما في هذه الرحلة بين النحو والخوارزميات أنها تُذكّرنا بأن المعرفة الإنسانية على اختلاف أزمنتها وأدواتها وبيئاتها تسعى في نهاية المطاف إلى غاية واحدة: فن الضبط لتحقيق أفضل المخرجات.