في مساء هادئ، وعقب إنهائي لكتابة مقال لجريدة عمان الحبيبة، أمسكت بهاتفي ورحت أتصفح الفيسبوك، مررت بأصابعي على الشاشة كما أفعل دائمًا، توقف بصري فجأة على مقطع فيديو قصير، ومن الوهلة الأولى وقعت أسير جماله، حيث الهدوء والبساطة والحنين المتدفق من كل تفصيلة صغيرة فيه، لقد أيقظ شيئًا عميقًا في داخلي، جعلني سعيدًا ومقبلًا.


الفيديو كان لغرفة قديمة، مساحتها صغيرة الحجم، كبيرة المعنى، فهي كواحة صامتة من الصفاء، وسط الفوضى التي تعصف بالعالم.
جدران الغرفة زرقاء هادئة، لونها يشبه السماء الصافية، صفاء الفطرة. أرضية الغرفة مكتسية ببساط قديم، ليس سجادًا فارسيًا، لكني شعرت بدفئه عندما يحتضن من يخطو عليه أو يقتعده. في جوانب الغرفة كنبٌ مغطى بملاءات بيضاء ناصعة، بياض يطمئن القلب قبل العين، وكأنه يقول: "هنا الطمأنينة ممكنة، هنا البساطة تكفي".


في وسط الغرفة طبلية خشبية متواضعة، تمثل قلب المكان، تجمع حولها كل تفاصيل الحياة الصامتة، كل زاوية فيها تنبض بالهدوء.
أخذت أنظر وأتأمل، شعرت بالسكينة تتسلل إليّ من كل زاوية، وكأن الغرفة نفسها تتنفس ببطء، تُهدئ أعصابي المرهقة من أخبار الحروب والقلاقل والاضطرابات وفوضى السياسات والصراعات التي يموج بها العالم، وشعرت بأن هذا المشهد كاستراحة مؤقتة من واقع قاسٍ، حيث يمكن للروح أن تتنفس قليلًا بعيدًا عن القلق المستمر.


أمعن النظر في المقطع، تظهر فيه يدان لامرأة لا أرى وجهها، لكنها حاضرة بكل حنان وصمت، يداها تتحركان ببطء، تعدّان الطعام في صينية بسيطة. ألاحظ كل حركة: رفعها للملعقة برفق، تقليب الطعام بعناية، ترتيب المقادير وكأنها ترقص على إيقاع صامت.
كل حركة فيها تحمل معنى، كأنها تُهدي الروح قبل المعدة. في هذا المشهد تجسدت مقولة أرسطو: "الفضيلة تكمن في الأفعال المتكررة الصادقة"، فحركات يد المرأة تعكس الصبر، الحب الصامت، الروح التي تعمل دون كلل.


وفي خلفية المقطع، كان هناك صوت رخيم ينساب، يترنم بأبيات شعرية بسيطة لكنها غنية بالحنين:
"عايزه قلب برئ يا عمو.. وكام ضمير من جواه رايق.. ما يلاقيش في الدنيا همه.. مهما عاش بين الخلايق."


توقفت قليلًا، شعرت بأن السؤال موجّه إليّ مباشرة: ماذا أريد؟ هل ما أريده اليوم يشبه ما كنت أريده حين كنّا صغارًا؟ حين كانت رغباتنا صافية، بلا حساب، بلا تعقيد؟
عندها فكرت بما قاله أفلاطون: "كل جمال حقيقي في العالم هو انعكاس للنقاء الذي يسكن الروح"، وكل ما شاهدته كان جميلًا، لأنه صادق، ينبع من الداخل، من روح لم تلوثها التعقيدات.
رحت أستمع لبقية الأبيات بشغف، كل كلمة تأخذ بيدي إلى عوالم رحبة فسيحة من السلام والطمأنينة.
"عايزه كيس كارتيه.. ونوجه.. بودرة للسعادة.. ومسحوق للجراح.. قرطاسين طيبة وسماح."


ابتسمت بحزن لطيف، استنفرني حنين الأيام الماضية، حيث بساطة الأشياء التي كانت تكفي، إلى السعادة التي كنّا نصنعها بلا ثمن، وإلى الأحزان التي كنا ندفنها بصمت. كانت السعادة تنبع من الداخل ومرتبطة به، وليست مرتبطة بما نملك أو نرى.
وكعادتي التي دأبت عليها كلما رأيت مقطع فيديو أعجبني، أن أرى ردود المشاهدين من خلال مداخلاتهم وتعقيباتهم، وأثناء قراءتي للتعليقات، وقع نظري على تعليق بسيط: "ما أجمل من تُعدّ الطعام، إنها نظيفة من الداخل والخارج".


ابتسمت لهذا التعليق، الذي وجدته يحمل الحقيقة، فالجمال الحقيقي ليس في الصينية ولا في البساط ولا في الجدران، ولا في اليدين، بل في النية الصافية، في الحب الذي يلازم كل حركة، في الصفاء الداخلي، وهنا تذكرت كلمات أمي، رحمها الله.
فأمي كانت تقول: "عندما نعد الطعام يجب أن تكون أنفسنا متسامحة محبة، لأن البركة سوف تلازمه ويكفي الجميع".
لقد اختزلت أمي معنى الجمال في عبارتها، فجوهر هذا الجمال في البساطة، في بساطة الأشياء، في النية الصافية والنفس المتسامحة التي تعطي بلا منّ وتمنح بلا شبهة. للحديث بقية.