ما صحة الحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن ينظر إلى بقعة من بقاع الجنة فلينظر إلى بيت المقدس، وبيت المقدس من جنة الفردوس»؟
هذه الرواية منكرة لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما رويت عن بعض المتقدمين، قيل من السلف وقيل من بعد السلف، أي من بعد القرون المفضلة، والحاصل أنها لا تثبت حديثا صحيحا مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ولكن هذا لا يعني هضم بيت المقدس والمسجد الأقصى المنزلة الرفيعة التي له، فقد نص على ذلك كتاب الله تبارك وتعالى في غير ما موضع، منها قوله جل وعلا: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله}، ومنها أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الواردة في ذكره في سياق المساجد التي تشد إليها الرحال، وفي بيان في الرواية الشهيرة التي بينت عظيم فضل الصلاة في المساجد الثلاثة: في المسجد الحرام، وفي مسجده عليه الصلاة والسلام، وفي المسجد الأقصى.
فكون هذا الحديث ضعيفا أو منكرا لا يقدح في منزلة المسجد الأقصى وبيت المقدس، لأن تلك المنزلة العالية الرفيعة والمكانة الدينية التي يتبوأها في هذا الدين الحنيف ثبتت في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديث صحيحة تغني عن الاستشهاد بمثل هذه الرواية المنكرة، والله تعالى أعلم.
ورد في عبارتكم القرون الثلاثة الأولى بأنهم هم السلف، معنى ذلك أن هذا المصطلح ينصرف إلى القرون الثلاثة الأولى؟
في الغالب نعم، ينصرف إلى القرون الثلاثة الأولى، هذا كان الاستعمال الذي عليه الفقهاء وأهل الحديث، ومع ذلك فإن إطلاقه أيضا في وصف تلك القرون ليس إطلاقا دالا على معنى واحد في حق الجميع، فلا شك أنهم يتفاوتون، فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم المنزلة الأعلى، ثم التابعون، ثم الذين جاؤوا من بعدهم، وهكذا، وهذا يرجع إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، على خلاف في بيان معنى القرن المذكور في هذا الحديث، هل هو بمعنى الجيل أو أنه بمعنى السنوات، وما هي هذه السنوات المعدودة. ولكن الحاصل أن هذا الحديث فيه إشارة إلى التفاوت بين هذه القرون، وأما ما نجده في كتب أهل العلم من حديثهم عن ما وجد عند السلف فإنهم يقصدون به في الغالب أهل القرون الثلاثة الأولى، والله تعالى أعلم.
من قال: «سبحان ربي الأعلى» في ركوعه وانتبه لذلك في آخر مرة، فهل يعيد التسابيح مرة أخرى بقوله سبحان ربي العظيم، ثم يقوم من الركوع، أو يقوم من الركوع ويأتي بسجود السهو بعد الصلاة، إذا هو تذكر وهو في حالة الركوع؟
نعم، إذا تذكر وهو في ركوعه فليأتِ بالتسبيح الصحيح المأمور به في الركوع، وهو قول المصلي: سبحان ربي العظيم، أما إذا فاته ذلك ثم انتبه من بعد أنه قد أتى بتسبيح السجود في موضع الركوع فليسجد للسهو، وكذا إن فعل العكس في السجود، أتى بتسابيح الركوع في موضع السجود، فإن انتبه أثناء سجوده صحح وأتى بتسبيح سبحان ربي الأعلى، وإن فاته ذلك حتى خرج من السجود فليسجد للسهو، وصلاته بإذن الله تعالى صحيحة، والله تعالى أعلم.
زوجي لا يصلي ويقول إنه يصلي، ولكنني أعلم أنه لا يصلي، تتبعته عدة مرات بالبيت وعلمت أنه لا يذهب للصلاة، وواجهته ونصحته عدة مرات ولكن لا جدوى، وأعتقد أنه أيضا لا يؤدي الزكاة، ومن بقية الجوانب الأخرى هو إنسان خلوق ومحترم، ماذا أفعل، علما بأن هذا الأمر مسبب لي الكثير من الضيق والعصبية وعدم الاستقرار؟
لا لوم عليها أن يكون ترك زوجها للصلاة مجلبة الضيق والكدر والحزن والحالة التي وصفتها في سؤالها، فإن ترك الصلاة أمر جلل عظيم، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر، وبقطع النظر عن معنى الكفر وأحواله هنا، الحاصل أنه لا خلاف في أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصفه بالكفر، فهو موصوف بذلك، وعلماؤنا يقولون: إن كان قد ترك الصلاة جحودا فهو كفر ملّي، وإن كان قد تركها تهاونا فهو كفر نفاق عملي، لكنه من أشد أنواع هذا الكفر العملي، لأن الصلاة عمود الدين، وأعمال العبد إنما تقبل إذا قبلت صلاته، وترد سائر أعماله إن ردت صلاته عند الله تبارك وتعالى يوم القيامة.
وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصفوا الذي يتخلف عن صلاة الجماعة، الذي يترك صلاة الجماعة بالكليّة، وإنما الذي يتخلف عن صلاة الجماعة في المسجد وصفوه بأنه منافق ظاهر النفاق، فكيف بمن ينتسب إلى هذا الدين يمكن أن يهجر الصلاة، وأن يتهاون في أمرها، وأن لا يؤديها.
فعليها أن تجتهد في نصحه بشتى الوسائل، فإن لم يجدِ ذلك نفعا لجأت إلى أوليائها، لأن تارك الصلاة لا خير فيه لأهل بيته ولا لزوجه، لأنه مضيع لحق ربه تبارك وتعالى، الحق الأعظم لله عز وجل هو الصلاة، والصلاة هي قوام حياة، وهي شعار الانتساب إلى هذا الدين، ولذلك فإن التهاون فيها ليس بالأمر اليسير الذي يمكن أن يغتفر أو يتهاون فيه، سواء صدر ذلك من ولد أو من زوج أو من زوجة، فلا بد في مثل هذه الأحوال من الحزم، ولا يشفع لتارك الصلاة أي شيء آخر، فلا يشفع له أن يقال إن له أخلاقا حسنة أو أنه على سيرة محمودة أو أنه عطوف حليم على أهل بيته، لا يشفع له شيء ما دام مفرطا في أمر الصلاة، موصوفا بهذا الوصف العظيم، وصف الكفر، والعياذ بالله. ولهذا فإن هذا الرجل إن لم ينتصح ويحافظ على الصلاة فإن لها أن تطلب الفراق، ولتلجأ إلى أوليائها، وإن لم يجدِ ذلك نفعا فإلى القضاء لإنصافها من مثل هذه الحالة، لأن الضرر الواقع عليها ليس بيسير، هو ضرر في دينها وضرر في دنياها وضرر سيلحق أولادها حينما ينشؤون وأبوهم لا يلتفت إلى الصلاة، فلا خير في مثل هذه الحالة، ولتلتمس لنفسها إن لم يتب هذا الزوج ويعد إلى الحق ويحافظ على الصلاة فلتلتمس لنفسها المخرج، والله تعالى معها، هذا والله تعالى أعلم.
شخص أقرض شخصا وحان وقت زكاته، فالمال الذي أسلفه لذلك الشخص هل فيه زكاة؟
ينظر في حال المدين، فإن كان المدين مليا، أي عنده سعة من مال يؤدي بها الحق إلى الدائن المقرض، وكان وفيا لا يجحد ولا يماطل، ولم يكن هذا الدين منسيا مؤجلا إلى أجل بعيد، فإذا تحققت هذه الأوصاف فإن الدائن المقرض هو الذي يؤدي زكاة هذا المال، لأن له أن يطلبه منه في أي وقت، وهو في حكم ملكه، لأن المدين وفيّ مليء وله أن يطالبه بهذا المال الذي في يده الذي أقرضه إياه، والله تعالى أعلم.
في قوله تعالى: « قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا»، هل يشمل المسلم؟ لأن الآيات التي بعده تخصصه بالكافرين، وكيف يتعامل المؤمن مع الآيات القرآنية التي تشير إلى الكافرين، هل يأخذ العبرة منهم أم هي فقط وصف مباشر لهم تخصهم؟
أما الذي اطلعت عليه هو أن الخطاب هنا للكافرين، ولكن في أسلوب الآية الكريمة لما صدرت بقول الله تبارك وتعالى: « قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا» لما ابتدأت الآية الكريمة بقوله جل وعلا قل، فكل موضع في القرآن الكريم، كل آية صدرت بـ قل، فهذا يعني أن الذي يأتي بعدها أريد إبلاغه على نحو خاص، ولذلك كانت كلمة قل جزءا من الآية الكريمة، إما في مفتتح السورة أو في أثناء السورة، فهذا يعني أن الذي يأتي بعدها أمر مهم أريد إبلاغه على نحو خاص، وكان الشأن بين رب العزة والجلال سبحانه وتعالى وبين العباد مباشرة، وما الرسول إلا مبلغ، رسول يبلغهم أن هذا الشأن بينكم وبين رب العزة والجلال.
ولذلك لما صدرت الآية بـ «قل» دل على أن المقصود أن ينتبه المؤمنون، أهل هذه الأمة، من مثل هذه الحالة التي وقع فيها أهل الكتاب والكفار مطلقا، لا سيما فيما يتعلق بقضايا الإيمان والكفر، وقضايا العقيدة والثواب والعقاب، فإن هذه القضايا لا نسخ فيها، ولذلك فإن دواعي الاعتبار والحذر من الوقوع فيما وقع فيه أمثال هؤلاء المعنيين بالمقام الأول في هذه الآيات الكريمة كلها شاهدة أن الخطاب يشمل أيضا المخاطبين من هذه الأمة حتى لا يقعوا في مثل ما وقع فيه أولئك، وحتى يحذروا تلك الأفعال التي أفضت بهم إلى الكفران، وإلى الكفر بلقاء الله تبارك وتعالى، وإلى التكذيب بلقائه سبحانه وتعالى، وإلى عدم إنزال ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم منزلة الطاعة والاستسلام والانقياد، وإنما يتخذ ذلك هزوا، وتتخذ آيات الله تبارك وتعالى هزوا، ففي الآية حكاية لأحوال الكفار، وفيها تحذير للمؤمنين من أن يقعوا فيما وقع فيه أولئك من قبلهم.
فالآية لا بمنطوقها، وإنما بما تدل عليه، وبكون الخطاب فيها مصدرا بـ قل، داعية إلى أن يحذر المسلم من الوقوع في مثل هذه الأعمال التي تجلب له سخط الله تبارك وتعالى، وتكون سببا لعقوبته، والعياذ بالله، نسأل الله تعالى السلامة، هذا والله تعالى أعلم.
امرأة تقول: كانت سابقا تذهب إلى من يتعاملون مع الجن، وتفعل ما يطلبونه منها مثل ذبح الإبل وتركها في الصحراء بنية شفاء ابنها، وكله بسبب الجهل، والآن تابت من كل هذا، تسأل هل عليها كفارة أو شيء آخر غير التوبة؟
نعم، الله المستعان، هذه المسألة وما وقعت فيه هذه المرأة أمر عظيم خطير، إذ لم يقف الأمر عند حد إتيان مشعوذين ودجالين، وإنما تعدى إلى حد تقديم القرابين للجن، هذا شرك بالله تعالى، والعياذ بالله، وعليه فإن عليها أن تجدد إيمانها، وأن تخلص توبتها لله تبارك وتعالى، تجديد إيمانها أي بالإتيان بكلمة التوحيد بالشهادتين، وأن تكثر من الأعمال الصالحة مع شروط التوبة المعروفة.
لكن ليست هناك كفارة، وعدم وجود الكفارة لا يعني أن المعصية التي يقارفها المرء ولا كفارة فيها أنها معصية هينة يسيرة، بل إننا نجد كثيرا من المعاصي والخطايا والذنوب مما هو عظيم في هذا الدين، إلا أنه لا كفارة فيه، وهذا يعلي من شأن التوبة والاستغفار، فإن أمر التوبة والاستغفار أمر عظيم، لا بد أن يحقق المرء شروطه.
وهنا كما قلت، عليها أن تجدد إيمانها، ولعلها فعلت ذلك، وأن تكثر من الصالحات، وأن تنبه غيرها كنوع من الكفارة الخلقية النفسية، أي ما يقابل ما أتت، أن تحذر غيرها، لئلا يقع ما وقعت هي فيه، أن تحذر غيرها من الذهاب إلى المشعوذين والدجالين الذين يتقولون على الله تبارك وتعالى، ويأمرون الناس بما فيه من أعمال شركية، والعياذ بالله، هذا والله تعالى أعلم.