زهرة بنت علي الخالدي

منذ البدايات والأسرة المسلمة تنظر إلى القدوة الحسنة على أنها جسر عبور آمن نحو الحياة، لما تمثل من دور مهم في تعزيز الثقة بين الفرد وبيئة مجتمعه، والقدوة الصالحة هي من تجعل الشخص يلتزم بالأخلاق العالية الموثوق بها في تعاملاته مع الآخرين أو مجريات سلوكه اليومي في الحياة التي تنعكس إيجابا على العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع.

الطفل منذ نشأته الأولى يلتقط كل ما يحيط به سواء من أقوال أو أفعال أو تصرفات سلوكيات أو تعاملات، في البداية لا يستطيع التمييز بينها بسبب حداثة عمره، لكنه سرعان ما ينغمس أكثر فيما يراه ويتابعه من كثب، ثم يحاول تقليده دون وعي، ولكن مع التوجيه يستطيع التمييز بين الأشياء والتفرقة بينها، فمثلا عندما يشاهد الناس من حوله يتصرفون بتعاون واحترام، فإنه تلقائيا يتأثر بهم ويسعى إلى تطبيق ما يراه في محيط حياته، إضافة إلى ذلك، يعد وجود شخصيات «مؤثرة» إلى جانبه عاملا مهما في تكوين شخصيته الأولى حيث تعزز هذه النماذج الروابط الاجتماعية وتحد من انتشار السلوكيات السلبية الخاطئة، مما يوجد بيئة قائمة على الاحترام والتعاون داخل وخارج الأسرة.

لذلك يعد الوالدان هما القدوة الأولى التي يقتدي بها الأبناء من خلال حديثهم وطريقة تعاملهم في تربية الأبناء وتعويدهم على العادات والتقاليد والأسس الأخلاقية، ولذا فهُم «بالنسبة للأطفال» النموذج الحي والواقع الذي يستقي منه الأبناء أدق التفاصيل ويعينهم على اتخاذ القرارات والتصرفات بشكلها الصحيح.

كما أن الوالدان هما أيضا نتاج صحيح لمعنى العلاقة الأسرية «السليمة» التي تلامس حياة الأبناء عن قرب، فمن سلوك الوالدين مع الأبناء أو عامة الناس يتعلم الطفل أنماطه السلوكية والأدبية ويطبقها مع غيره حتى وإن كانت في بدايتها مجرد تقليد لا أكثر.

وأثبتت الدراسات التربوية التي نشرت مؤخرا بأن «القدوة الحسنة للطفل هي واحدة من أقوى الوسائل التربوية والتعليمية التي تؤثر في سلوك الأطفال وتنعكس إيجابا على أخلاقياتهم، سواء كان ذلك داخل الأسرة، أو المحيط المدرسي، أو المجتمع الذي يعيشون فيه، إضافة إلى أن وجود نموذج إيجابي يتّبعه الأفراد وهو «القدوة الحسنة» يعزز من نموهم الشخصي والاجتماعي، ويسهم في بناء مجتمع قوي متماسك ومترابط دينيا وأخلاقيا».

يضاف إلى ذلك أن سجل الأبناء ونظرتهم إلى القدوة الحسنة يأتي من خلال المدرسة المتمثل في دور «المعلمين» الذين يؤدون دورا محوريا مهما في توجيه السلوك وتعليم القيم في المدرسة وخارجها، إلى ذلك يعد «الأقارب الصالحون» نموذجا آخر للقدوة حيث يتعلق بعض الأبناء بشخصيات قريبة في محيط العائلة لدرجة أن بعض الأبناء يقلدهم في حديثهم أو حتى في تصرفاتهم، ومن الملحوظ أن الأبناء يقلدون ما يرونه أكثر، وليس ما يسمعونه.

وقد نبه الخبراء والمختصون على بعض النقاط المهمة التي يجب أن يلتزم بها الوالدان مثل: تجنب عرض خلافاتهم الأسرية أمام الأبناء خاصة إذا ما كان هناك تعد على بعضهما بعضا سواء كان لفظيا أو فعليا، أيضا تحذير الأب أو الأم من رؤية الأبناء لهم على معصية الله، فإنهم يتأسون بهم، وأقرب مثال على ذلك لو أمر الوالدان الأبناء بالصلاة وهم لا يصلون فالغالب أنهم لا يسمعون لقولهم، ويتأسون بأفعالهما القبيحة، وبعض الآباء يدخنون أمام أبنائهم دون اكتراث لأضرار هذه العادة السيئة، وعندما ينصحون أبناءه بعدم التدخين لا يسمعون كلامهم لأنه القدوة أمامهم! كيف تكون القدوة الحسنة لأبنائك؟

القدوة الحسنة يستمدها الطفل في البداية من البيت -كما أشرنا سابقا- وهي باختصار النموذج الحقيقي في تعليم الأطفال وتعويدهم على التعامل مع الحياة في مرحلة متقدمة سواء من الناحية الأخلاقية أو السلوكية أو طريقة تفاعلهم مع الأحداث اليومية سواء عن طريق «الملاحظة أو التقليد»، ثم يأتي دور التوجيه والنصائح المباشرة كطرق أخرى مكملة للعنصرين السابقين حتى يستطيع الوالدان بناء طفل بشخصية متزنة وقوية وبصفات وسلوكيات حميدة، ولهذا هناك واجبات أخرى على الوالدين غرسها في الأبناء منذ نعومة أظافرهم ومنها: الالتزام بالقيم والمبادئ مثل الصدق، وتحمّل المسؤولية، والتعاون والأمانة وغيرها من القيم التي ترسخ لدى الأطفال الثقة والأخلاق الحميدة.

ولذلك تعد القدوة الحسنة أمرا بالغ الأهمية في حياة الطفل ليس فقط داخل البيت وإنما أيضا خارجه فمثلا في المدرسة يمثل المعلمون نموذجا يحتذى به للطلاب، ليس فقط من خلال التزامهم بالتعليمات والتوجيهات، بل أيضًا عبر سلوكياتهم اليومية التي تعكس الاحترام والانضباط.

أيضا الطفل يمكن أن يتخذ من المجتمع قدوته الحسنة، فتُعد الشخصيات العامة ذات المستوى الرفيع من الأخلاق والسلوك الحميد مصدر إلهام للأطفال من خلال تصرفاتهم وأخلاقياتهم، مما يعزز من نشر القيم الإيجابية وتأثيرها على الأجيال القادمة.