كان من الطبيعي أن يُستقبل الإعلان عن وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران بشيء من الارتياح. فبعد أسابيع من القصف والتهديدات والردود المتبادلة، وبعد أن دفعت المنطقة إلى حافة انفجار واسع، تبدو أي تهدئة ذات قيمة. الناس يريدون أن يصدقوا أن الأسوأ قد جرى تفاديه. والحكومات تريد أن تقول إن الدبلوماسية عادت إلى الطاولة. أما الأسواق، فتميل دائما إلى التعامل مع أول إشارة إلى ضبط النفس كما لو أنها عودة فورية إلى الاستقرار.
لكن الاستقرار لا يبدو على هذا النحو. فالهدنة التي تستثني لبنان ليست بداية سلام. إنها وهم خطير. ففي اليوم نفسه الذي قيل فيه للمنطقة أن عليها أن ترحب بفرصة دبلوماسية جديدة، أوضحت إسرائيل أن حربها على لبنان مستمرة. ثم مضت في تكثيف ضرباتها على نحو غير مسبوق في هذه الحرب. هنا ينكشف الخلل كله. لا يمكن لوقف إطلاق النار أن يحمل هذا الاسم فيما تبقى جبهة مشتعلة بهذا الحجم، وفيما يُترك بلد كامل تحت النار خارج الحسابات السياسية للتهدئة.
تبدو المسألة، في ظاهرها، أخلاقية قبل كل شيء. فمعاناة المدنيين لا تصبح أقل إلحاحا لأن الدبلوماسيين قرروا تضييق إطار الأزمة. واللبنانيون الذين يعيشون تحت القصف ليسوا خارج المأساة الإقليمية الجارية، ولا يمكن التعامل مع آلامهم كما لو أنها بند منفصل عن الحرب الكبرى في المنطقة. كل سياسة تُعامل بعض الأرواح بوصفها في قلب الاهتمام، وتدفع أرواحا أخرى إلى الهامش، لا تصنع سلاما. إنها فقط تعيد ترتيب الأولويات وفقا لموازين القوة.
لكن المشكلة لا تقف عند هذا الحد. فالأمر لا يتعلق بازدواجية المعايير فقط، بل بطبيعة الهدنة نفسها. لقد جرى تقديم وقف إطلاق النار بوصفه فرصة لمنع حرب إقليمية أوسع وفتح الطريق أمام استئناف التفاوض. غير أن الهدنة التي تُبقي واحدة من أكثر الجبهات قابلية للاشتعال مفتوحة تحمل أسباب تقويضها في داخلها. فالقصف على لبنان لا يجري خارج منطق التهدئة، بل يختبر قدرتها على البقاء. وكل ضربة جديدة ترفع مستوى الضغط، وتزيد احتمالات التوسع، وتجعل من الصعب على أي طرف إقليمي أن يقدم هذه اللحظة بوصفها بداية نظام ما بعد الحرب.
ومن هنا، لم تعد القضية قضية لبنان وحده، على فداحة ما يتعرض له. لقد أصبحت قضية استقرار إقليمي بأكمله. فمضيق هرمز ما زال في صلب الأزمة، ليس فقط باعتباره ممرا بحريا حيويا، بل لأنه يمثل النقطة التي يلتقي فيها الأمن الإقليمي بالاقتصاد العالمي. وأي هدنة لا تنجح في تطويق الجبهات الأكثر اشتعالا لن تكون قادرة على استعادة الثقة اللازمة لإعادة فتح هذا الممر الحيوي بصورة مستقرة. بل ستبقي المنطقة في حال ترقب دائم، وتُبقي الأسواق تحت ضغط الشك، وتُبقي أحد أهم شرايين العالم معلقا على احتمال الانفجار التالي.
ذلك هو الوهم الكامن في فكرة التهدئة الانتقائية. فهو يفترض أن الحرب يمكن تجزئتها، وأنه يمكن تبريد ساحة وترك ساحة أخرى تحترق، وأن آثار العنف ستظل محصورة في حدودها الجغرافية المباشرة. غير أن تاريخ الشرق الأوسط المعاصر يقول العكس تماما. فالنيران هنا لا تكترث كثيرا بالحدود التي ترسمها البيانات السياسية، وما يبدو محليا في لحظة ما سرعان ما يتحول إلى أزمة إقليمية أوسع.
لا يزال هناك وقت لمنع هذه الهدنة من أن تصبح مجرد استراحة بين كارثتين. لكن ذلك يتطلب قدرا من الصراحة قبل أي شيء آخر. ينبغي التوقف عن التعامل مع لبنان باعتباره هامشا في حرب أكبر. لبنان اليوم هو الاختبار الحقيقي. فإذا كانت هذه الهدنة عاجزة عن كبح الحرب هناك، فإنها لا تستطيع الادعاء بأنها أعادت الاستقرار إلى المنطقة.
فالمنطقة لا تحتاج إلى توقف مؤقت يُقدَّم على أنه سلام. تحتاج إلى تصور سياسي يعترف بأن النار المشتعلة في لبنان قادرة على ابتلاع ما تبقى من هذه الهدنة الهشة. لا يمكن ترك بلد كامل لمصيره تحت آلة حرب منفلتة وغاشمة، ثم الادعاء أن الاستقرار عاد إلى الشرق الأوسط. فأي اتفاق يترك لبنان يحترق لن يصنع سلامًا، بل سيكتب مقدمة الانفجار التالي.