لدى بعض أفراد الشعوب الخليجية مشكلة ثقة عميقة بينهم، تظهر فئة منهم في أوقات الأزمات ليغذّوا أفكار الجماهير بمعتقدات زائفة، تحاول أن تعيد تصنيع العقل الجمعي الخليجي بالذات، وتشتيت انتباهه إلى قضايا سطحية لا تخدم المصالح الكبرى، بل وتجعل من وسائل التواصل الاجتماعي ساحة لصراع كلامي ومهاترات لا هدف لها سوى تأجيج النفوس، وتسعير الكراهية، مستغلة الظرف الذي تمر به دول المنطقة، ودسّ الإشاعات، والنيل من القيادات، أو تقليل شأن الآخر، في محاولة لتمرير أجندات مشبوهة في غير مكانها ووقتها.

ولعل هؤلاء الأفراد الذين يتخذون من وسائل التواصل ساحتهم ومطيتهم لبث الفرقة والفتن بين شعوب المنطقة، صاروا أكثر حراكًا ونشاطًا خلال هذه الفترة، وهي فترة نموذجية للوصول إلى أهدافهم، والأغرب من ذلك أن السلطات القانونية والأمنية في بعض الدول لا تُحرّك ساكنًا إذا قام أحد هؤلاء المشبوهين بالإساءة إلى رموز دولة (شقيقة)، ولا تتخذ الإجراءات الحازمة والحاسمة للحد من هذا العبث الكلامي، والذي يتحول في عقول البعض -من التابعين دون تفكير، والمتابعين دون تدقيق- إلى حقائق غير قابلة للجدال، حيث تثير بعض التغريدات المسيّسة والمسيئة الكثير من النعرات المذهبية والطائفية والشعبوية، وهي بذلك تدق أسفينًا لا يمكن نزعه من عقول العامة، والذين يتبعون ما يُنشر دون وعي أو إدراك أو عقل نقدي، فهم يتلقون كل ما يأتيهم عبر وسائل التواصل دون رفض للمعلومة أو البحث عن الحقيقة، وبذلك تعمل الإشاعات عملها في النفوس، وتنتشر كالنار في الهشيم، ويصعب السيطرة عليها أو تفنيدها فيما بعد.

ولا شك أن دول الخليج العربية تمر بواحدة من أحلك حالاتها، وهي بحاجة إلى التكاتف والتعاضد وتغليب لغة العقل والحكمة في مواجهة هذه الحرب الطاحنة، ولذلك على السلطات القانونية والأمنية أن تمنع مثل هذه الإساءات التي يقوم بها أفراد لا يأبهون لأي نتائج، ولا ينظرون إلا تحت أقدامهم، ولا شك أنه حان الوقت لتفعيل (الاستراتيجية الإعلامية الخليجية)،

والتي تم إقرارها في الدورة الحادية والثلاثين من دورات مجلس التعاون عام 2010م في أبوظبي، والتي تتعلق بترسيخ المبادئ والأسس التي يجب أن تقوم عليها وسائل الإعلام في دول الخليج، ومن أهم بنودها (تعميق المواطنة الخليجية، وتعزيز التعاون وفرص الوحدة بين دول المجلس)، وهي الشعارات التي يجب أن تسود في هذه الظروف العصيبة، فليس من المقبول أن يخرج قطعان من المغردين ليسيئوا إلى جيرانهم ويؤججوا الفتن بين الأشقاء في ظل وضع مصيري، حيث لا يصب ذلك في مصلحة أحد من دول المنطقة، والتي ترتبط بمصير مشترك واحد، ناهيك عن أواصر القربى والجيرة والدين والتاريخ والجغرافيا، وهي أواصر لا يمكن الفكاك منها مهما حاول البعض أن يتبرأ منها وأن يزرع سمومه بين شعوبها،

وفي ظل هذه الفوضى الكلامية يندس الذباب الإلكتروني من الكيان الصهيوني ومن دول أخرى، تحت أسماء خليجية، ليزيدوا النار اشتعالًا وينفثوا حقدهم ودسائسهم بالإساءة لهذه الدولة أو الدفاع -بخبث- عن تلك الدولة، مما يخلط الأوراق ويزيد من تأجيج الفتن، ولذلك يجب ألا ينسى أبناء هذه المنطقة أن الخليج العربي واحد، وسيظل واحدًا مهما تكالبت عليه الأزمات، وتكالبت عليه الأمم، وحاولت تشتيت انتباهه والنيل من دوله وشعوبه.