علاقة الشيعة عموما بالدولة علاقة قديمة، وليست كما يصور أنها بعد ثورة 1979م فقط، ابتداء من الإسماعيلية الفاطمية، ثم البويهية فالصفوية. وللإسماعيلية والزيدية حكم في اليمن لقرون طويلة.

كما أن الإمامية كان لهم الحكامة في إيران وبلاد فارس في العهد البويهي ثم العهد الصفوي، وهي دولة غلب عليها البعد الديني الغنوصي، ثم القاجار وكانوا أكثر انفتاحا. وجاء بعهدهم حكم الشاه الأب والابن وكانت ذات صبغة شيعية إمامية، وكان رجل الدين الشيعي الإمامي حاضرا فيها، والشاه كان له مؤيدون من رجال الدين، كما كان له معارضون أيضا.

في الدولة الصفوية عندما تحول صفي الدين الأردبيلي (ت: 735هـ) في القرن الثامن الهجري من المذهب الشافعي ذات النزعة الصوفية إلى المذهب الإمامي الاثني عشري؛ انتشر المذهب الإمامي في أبنائه وأحفاده حتى أعلن في 907هـ أن المذهب الشيعي هو المذهب الرسمي في إيران، وفي عهدهم برز العرفان والطقوس الشيعية بشكل أكثر اتساعا مما عليه الفاطميون الإسماعيليون، والأيوبيون السنيون، فهذه الدول الثلاث هي من ربطت الدولة بالطقوس العرفانية والصوفية (غنوصية الدولة)، وماثلها أيضا في الجانب السني دولة رابعة وهي الدولة العثمانية.

في العهد الصفوي برز رجل الدين بشكل كبير، من شيخ الإسلام وقاضي القضاة، إلى نظام المرجعيات، والذي سيتطور تأريخيا بشكل كبير، ويرتبط بحركة الاجتماع الشيعي الإمامي، ويتضخم بشكل أكبر بعد ثورة 1979م، بيد أن بداياته متقدمة.

في عام 1796م تكونت دولة القاجار على يد آغا محمد خان القاجاري (ت: 1797م)، وفي عهده انتقلت العاصمة إلى طهران وظلت عاصمة إلى اليوم، وكانت تسمى سابقا بمدينة الري، وهي حاليا أصبحت جزءا من جنوب طهران، ودولة القاجار وإن كانت أكثر انفتاحا على الأديان خصوصا الأرمن مقارنة بالصفويين، بيد أنها بحكم المرحلة كان رجل الدين الشيعي الإمامي حاضرا فيها، وظهر في زمنها أحداث الشيخية والرشتية، إلى نشوء البابية فالبهائية، وفي زمنها أيضا ارتبطت بحدثين أولاهما اقتصادي والثاني سياسي، كان لرجل الدين الإمامي دور كبير فيهما.

الأول تمثل في «ثورة التنباك أو ثورة التبغ، وتعود إلى سنة 1890م، ومن المعلوم أن أغلب الإمامية لا يرون بأسا من التدخين، والعديد من الإيرانيين من يعمل في قطاع التبغ، بيد أن ناصر الدين شاه القاجراي (ت: 1896م) منح شركة بريطانية حق بيع وشراء التبغ في إيران، مما أثار غضب الإيرانيين، ونتيجة لسخط الشارع ذهب مجموعة من العلماء، ومنهم جمال الدين الأفغاني (ت: 1897م) إلى العالم الشيعي الكبير حينها ميرزا محمد حسن الشيرازي (ت: 1895م)، وفي البداية حاول حل الموضوع سلميا مع ناصر الدين شاه، بيد أن الثاني رفض، فأصدر الأول فتوى بتحريم استعمال التنباك، وأن شراءه يعتبر حربا مع الإمام الحجة أو إمام الزمان، فأصاب هذه التجارة الكساد، وأعقبها زيادة المظاهرات، مما ألغيت الاتفاقية، وأرجعت الامتيازات إلى الإيرانيين».

الحدث الثاني أيضا وقع في العصر القاجاري من 1905م إلى 1911م، «وهو الذي حول إيران من دولة ملكية شمولية إلى ملكية تعاقدية أو دستورية، وارتبط أيضا برجال الدين من خلال شخصيتي السيد محمد الطباطبائي (ت: 1920م)، وعبد الله البهبهاني (ت: 1910م)، وإن كان هناك من المعارضين لها أيضا من رجال الدين وعلى رأسهم محمد كاظم اليزدي (ت: 1919م)، وهدف الثورة إقامة مجلس شورى أو نواب أو برلمان مستقل، لأجل محاربة الاستبداد والرأي الواحد وتحديد صلاحيات الملك، وقد ابتدأت في عهد مظفر الدين شاه القاجاري (ت: 1907م)، ونجحت عام 1906م، وأقيم أول مجلس برلماني، وصيغ فيه الدستور المشروط، ولهذا تسمى أيضا بالثورة المشروطة، وهي وإن أحدثت جدلا كبيرا في الأوساط الدينية الشيعية، لكنها نقلت التفكير الديني مبكرا إلى التفكير في الدستور والبرلمان ومحاربة الاستبداد، ولعل من الكتب المهمة التي ألهمت هذه المرحلة كتاب «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» لمحمد حسين النائيني (ت: 1936م)، والذي طبع لأول مرة وقت الثورة 1909م».

في أواخر الدولة القاجارية بدأت الأفكار الماركسية واليسارية تنتشر في إيران لقربها من روسيا، وتأسس أول حزب يساري في إيران في العشرينيات من القرن العشرين أيام بهلوي الأول (ت: 1944م)، المعروف بمجموعة الثلاثة وخمسين، وحكم عليهم بالسجن، حتى تأسس رسميا حزب توده الشيوعي عام 1941م في عهد محمد رضا بهلوي (ت: 1980م)، وتمددت الحركة اليسارية عند الشباب، وارتبطت بالأكراد وانفصال أذربيجان، لكنها معرفيا في الابتداء كانت ذات قبول في الاتجاهات الإسلامية، وكانوا يقبلون على الكتب الماركسية حينها، خصوصا في المجال الثوري والاقتصادي، ككتب ماركس (ت: 1883م) وإنجلز (ت: 1895م)، واعتبر علي شريعتي (ت: 1977م) أن أبا ذر الغفاري (ت: 32هـ) أول اشتراكي في الإسلام، هذه النزعة الثورية اليسارية، ولتأثر الإسلاميين بها؛ خلقت في إيران حركة مجاهدي خلق في 1965م، وكان الاتجاهان اليساري والإسلامي يسيران مع الإصلاح وتمكين الديمقراطية والحريات ابتداء، وانتهاء إلى الثورة خصوصا بعد حفلة «العشاء الأخير» في 1971م، في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، بمناسبة مرور ألفين وخمسمائة سنة من حكم كورش الكبير (ت: 529 ق.م)، وعليه يكون محمد رضا هو الشاهنشاه، أي ملك الملوك، حيث أظهر فيها البذخ والترف والرفاهية، مما كلف ميزانية إيران الكثير من المال، في وضع كانت تعاني فيه اقتصاديا مما جرها إلى الاقتراض، وهي الشعرة التي قصمت ظهر البعير، وأجمعت جميع الاتجاهات إلى ضرورة الثورة وتغيير النظام.

في هذه الأجواء لم تكن نظرية ولاية الفقيه حاضرة بقوة في إيران، ويرى حسين منتظري (ت: 2009م) أن البروجردي كان يطرح نظرية ولاية الفقيه في دروسه حول صلاة الجمعة في الوقت الذي كان يطرحها الإمام الخميني (ت: 1989م) على طلابه في النجف بالعراق منذ عام 1969م، وتبلورت في كتابه «الحكومة الإسلامية».

عدم حضور ولاية الفقيه لا يعني غياب رجل الدين عن المشهد السياسي في إيران، إما توافقا وولاء للنظام، وإما معارضة له.

في نظري ولاية الفقيه لها بعد عقائدي أكثر مما هو حضور فقهي، فعدم غياب الفقيه طيلة التأريخ الشيعي عن المشهد الاجتماعي والسياسي كما أسلفت أعلاه، يبطل نظرية البعد الفقهي وما يترتب عليه من أحكام، وإن كان له مصاديقه أيضا، ولكن ليس بالصورة المطروحة حاليا.

وبعدها العقائدي يتمثل في أن «ولاية الفقيه هي مخرج لنظرية الإمامة عند الشيعة الاثني عشرية؛ إذ ربطت الحكامة ابتداء بالأئمة المنصوص عليهم نصا جليا - حسب رؤيتهم - من الإمام علي بن أبي طالب (ت: 40هـ) حتى محمد بن الحسن العسكري، المهدي المنتظر، بيد أن المهدي غاب عن الأنظار وهو صغير السن، فدخل المجتمع الشيعي في غيبة صغرى، وقد امتدت من 260هـ حتى 329هـ، وقد كان ينوب عن الإمام المهدي سفراء أربعة، ويقومون مقام الإمام في النيابة الخاصة، وبوفاة السفير الرابع علي بن محمد السمري عام 329هـ دخل الإمامية في غيبة كبرى حتى اليوم.

وحدث جدل فقهي قديم حول النيابة العامة، وكانوا أقرب إلى السلب حتى أتى الكركي (ت: 937هـ)، وجعل للفقيه ما للإمام من نيابة في الأمور السياسية، بينما جمهور الفقهاء الإمامية لم يتقبلوا هذه الرؤية، ورأوها من اختصاصات الإمام المعصوم أو من يعينه من سفراء، وليس من اختصاصات الفقيه»؛ هذا لم يمنع الفقيه أن يكون حاضرا اجتماعيا وسياسيا، ولكن ليس منطلقه عقائديا أي نائبا بالكلية عن الإمام الغائب.

ويرى بعض المؤرخين الإيرانيين المعاصرين أن الأصل في الثورة الإيرانية في 1979م أنها ثورة وطنية خالصة، اشترك فيها جميع الفرقاء من اليمين واليسار على أساس دولة وطنية ناقضة للحكم الشمولي الواحد، وقد أعدت «مسودة الدستور الأول في فرنسا، وقدم إلى مجلس الخبراء بعد الثورة، ولم يكن فيه مصطلح ولاية الفقيه، لكن ضمن مناقشات مجلس الخبراء أضيفت إليه ولاية الفقيه، وكان بعضهم معارضا للإضافة، وأغلبية رجال الدين صوتوا له، فجعل الولي الفقيه أقرب إلى الأب للأمة الإيرانية»، ثم تضخمت صلاحيات الولي الفقيه بعد وفاة الإمام الخميني شيئا فشيئا، وتمدد البعد العقائدي، والذي لن يؤثر فحسب في الجوانب الفقهية والاجتماعية، بل حتى في الجوانب العسكرية والثورية.

إيران وإن حاولت تقديم تجربة سياسية جامعة بين البعدين العقائدي والعلماني، الأولى تتمثل في الولي المرشد، والثانية في الحكومة الإيرانية المنتخبة، والأولى تضيق عقائديا لاعتبار أن المرجعية هنا أوسع من النيابة الصغرى عن الحجة إلى النيابة الكبرى عنه في إدارة أمر الأمة، وهل ذلك محدود جغرافيا أم هو عابر للجغرافيا الإيرانية كدولة، وأما العلماني فأقرب إلى إدارة الشأن العام الداخلي تحت مظلة ولاية الفقيه ذاته، الأمر الذي يبقى مطروحا بعد مقتل علي خامنئي في بداية الحرب الأخيرة، وبعد هذه الصلاحيات الكبرى للمرشد، هل ستكون هناك مراجعات جديدة، أو على الأقل هل سترجع صلاحيات مسودة الدستور الأول، ويكون هناك انفتاح من جديد على التوجهات اليسارية واليمينية الأخرى، أم أن الوضع سيبقى كما هو، خصوصا أن البعد العقائدي حاضر فيه بشكل أحادي، إذ في العقود السابقة كان يمنع نقد هذه النظرية في إيران إعلاميا ومدرسيا، أو أنها ستتمدد وتتقوى بشكل أوسع لاعتبارها أهم دافع عقائدي وقف في وجه العدوان على إيران من قبل أمريكا وإسرائيل، فهي الخلاص الذي دفع بهم إلى الصمود لفترة أطول.

ـ من مراجع المقالة كتاب: «إيران التعددية والعرفان»، وكتاب «أنسنة الدولة» لكاتب المقالة.