في ستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي، كان المصريون ومعهم العرب، الذين يصل إليهم إرسال إذاعة «صوت العرب» من القاهرة، يتابعون خطب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر باهتمام كبير.

كان اليوم الذي سيلقي فيه الخطاب معروفا سابقا، ولذلك كان يتحول إلى حدث عام بكل ما تحمله الكلمة من معنى. تتوحد الإذاعات المتاحة في بثه، ويجلس الأجداد والآباء والأبناء حول أجهزة الراديو وتتوقف الأغاني في المقاهي لكي يتابع روادها الخطاب. وبعد انتهاء الخطاب يبدأ النقاش حول ما قاله الرئيس وما سيفعله.

كان هناك شعور عام بأن كل ما يقوله الرئيس مهم. لم تكن خطابات عبد الناصر كثيرة، لكنها كانت حاضرة وبقوة في الوجدان العربي. وكان هذا الحضور كافيا ليمنحها الثقل المطلوب، خاصة مع إدراك الجمهور أن الخطاب الرئاسي أعد بعناية فائقة، وشارك في كتابته كبار الكتاب مثل الراحل محمد حسنين هيكل.

وخلال فترة حكم الرئيس الراحل أنور السادات، ظل الخطاب الرئاسي يحتفظ بمكانته، وتغير إيقاعه متأثرا بشخصية الرئيس الذي شجعه نصر أكتوبر 1973 على الخروج عن النص المكتوب، واستعراض قدراته الخطابية الخاصة، وهو ما أوقعه في مشكلات عديدة مع معارضيه في الداخل والخارج، خاصة بعد زيارة القدس وتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل. ورغم الانتقادات العديدة لخطابه وانزلاقه في بعض الأحيان إلى استخدام لغة أقرب إلى لغة الشارع، ظل الخطاب الرئاسي في عهده أداة تفسير وتوجيه.

ومع مرور الوقت، وتحديدا في سنوات حكم الرئيس الراحل حسني مبارك، بدأ حضور الخطاب الرئاسي يتراجع تدريجيا، ولم تعد الجماهير تنتظر الاستماع إليه بالاهتمام السابق.

في السنوات الأخيرة، أصبح هذا الاتجاه أوضح في عدد كبير من الدول العربية؛ إذ لا يظهر الخطاب الرئاسي سوى في مناسبات محدودة ومحددة أو في لحظات استثنائية شديدة الخصوصية.

ويعكس هذا التحول الناتج عن طبيعة الأنظمة السياسية العربية إدراكا متزايدا بأن قيمة الخطاب الرئاسي ترتبط بندرته، وأن الإفراط فيه يفقده تأثيره.

تبدو هذه الخلفية مهمة للحديث عن الخطاب الرئاسي الأمريكي في العهد الحالي للرئيس دونالد ترامب الذي يقدم تجربة مختلفة تماما عما استقر عليه هذا الخطاب لسنوات طويلة. فمنذ توليه السلطة قدّم ترامب خطابات وتصريحات وتعليقات وتغريدات ربما تفوق كل ما قدمه رؤساء الولايات المتحدة السابقين. هذا التحول في طبيعة الخطاب الرئاسي لا يمكن فهمه بمعزل عن البيئة الاتصالية التي تشكل داخلها. فمع صعود شبكات التواصل الاجتماعي، لم يعد الخطاب الرئاسي مرتبطا بمنصة واحدة أو توقيت محدد، وأصبح جزءا من تدفق مستمر يستهدف جذب الانتباه وإثارة الاهتمام، وهو ما فرض إيقاعا مختلفا على الخطاب، يقوم على السرعة، والاختزال، والاستجابة اللحظية. ومع هذا التحول، تغيرت وظيفة الخطاب ذاته، إذ أصبح جزءا من دائرة تفاعل وقتية أكثر منه أداة لصياغة السياسات، وتراجعت المسافة بين التعبير الشخصي للرئيس وبين الموقف الرسمي للدولة.

خلال العدوان الأمريكي- الإسرائيلي الحالي على إيران الذي دخل شهره الثاني، وقبله اعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته، والتهديدات الموجهة لكوبا، بدا هذا النمط من الخطاب «الترامبي» أكثر وضوحا. ارتفعت نبرة التهديد، والتباهي بالقوة والخروج عن القوانين والمواثيق الدولية، والتلويح بالتدمير واسع النطاق، والوعد بارتكاب جرائم حرب، حتى وصل الأمر إلى الحديث عن «إعادة إيران إلى العصر الحجري».

مثل هذه العبارات التي لم يعرفها خطاب رئاسي من قبل لا يمكن قراءتها بمعزل عن طبيعة شخصية ترامب والسياق الذي تنتج فيه. والنتيجة أن الخطاب يتجه إلى التصعيد اللفظي السريع، دون أن يواكب ذلك وضوح مماثل في المسارين العسكري والسياسي، ويكشف عن استخدام لغة الشارع في وصف الحلفاء والأعداء والسخرية منهم، بوصفها وسيلة للضغط لا تعبر عن سياسة مستقرة.

من الضروري هنا أن نشير إلى أن الأدبيات السياسية تؤكد أن الخطاب الرئاسي، في جوهره، أداة من أدوات إدارة شؤون الدولة، وتنظيم العلاقة مع الداخل، وإرسال رسائل دقيقة إلى الخارج.

وفي أوقات الأزمات والحروب تتحول هذه الأداة إلى وسيلة لطمأنة الداخل، وجمع الحلفاء وشرح المواقف. أما عندما يصبح ملتبسا ومتناقضا ومشحونا بالغضب، فإن قدرته على توحيد المجتمع تتراجع، وهو ما يظهر بوضوح في المظاهرات التي تجتاح المدن الأمريكية الكبرى في الأيام الأخيرة مطالبة بوقف الحرب وربما عزل الرئيس.

تاريخيا، لم يكن الخطاب الرئاسي عبر القرن العشرين منفصلا عن شخصية الرئيس نفسه، ودرجة اتزانه النفسي والعقلي وأسلوب تفكيره، وخبرته السياسية. هنا يمكن أن نشير إلى الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت، الذي انتخب أربع مرات، وقدم نموذجا واضحا لهذا الترابط من خلال «أحاديث الموقد»، وهي سلسلة من الخطابات الإذاعية التي وجهها إلى الشعب الأمريكي بين عامي 1933 و1944. كان يتحدث فيها بلغة بسيطة ومباشرة، كما لو كان يجلس مع المواطنين في منازلهم، يشرح لهم طبيعة الأزمة الاقتصادية خلال الكساد الكبير، ثم تطورات الحرب العالمية الثانية، وهو ما أسهم في تهدئة المخاوف العامة، وفي إقناع الأمريكيين بقبول سياسات اقتصادية صعبة.

وفي سياق مختلف، تجدر الإشارة إلى جون كينيدي الرئيس الأمريكي الخامس والثلاثين. كان أصغر الرؤساء سنا عند توليه الحكم، وعرف بحضوره الخطابي المؤثر.

ومن عباراته الشهيرة قوله في خطاب التنصيب: «لا تتفاوضوا بدافع الخوف، لكن لا تخافوا من التفاوض»، و«السلام الحقيقي لا يقوم على توازن القوى، بل على توازن المصالح». في أوروبا، يمكن أن نشير إلى خطابات ونستون تشرشل رئيس وزراء المملكة المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، الذي اشتهر بخطاباته القوية التي رفعت معنويات الشعب البريطاني، ومن عباراته الشهيرة «سنقاتل على الشواطئ... سنقاتل في الحقول وفي الشوارع... لن نستسلم أبدا». وفي السياق العربي، لا تزال عبارة جمال عبد الناصر بعد نكسة 1967، «ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة»، حاضرة في الذاكرة. وقدم خطاب أنور السادات أمام الكنيست الإسرائيلي عام 1977 نموذجا مختلفا، حين استخدمه لفتح مسار سياسي جديد، وعبارته الشهيرة التي خاطب فيها الإسرائيليين مباشرة «يا كل أم، ويا كل أب، ويا كل زوجة، ويا كل أخ، ويا كل طفل... إنني أقول لكم: إننا نقبل أن نعيش معكم في سلام دائم قائم على العدل».

تشير هذه الأمثلة إلى أن الخطاب الرئاسي، حين يكون متماسكا، يصبح جزءا من الفعل السياسي نفسه. وعندما يفقد هذا التماسك، يتراجع أثره سريعا. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال أحداث الربيع العربي، إذ فشلت الخطابات الرئاسية في أكثر من حالة في احتواء الثورات الشعبية. فقد جاء خطاب زين العابدين بن علي في تونس متأخرا عن حركة الشارع، ولم تتمكن خطابات حسني مبارك من استعادة الثقة الشعبية في مصر، وأجج خطاب علي عبد الله صالح في اليمن الثورة ضده. وبالمثل كانت خطابات معمر القذافي في ليبيا بعيدة عن فهم ما يجري، ولم تنجح خطابات بشار الأسد في سوريا في امتصاص الغضب الشعبي في مراحله الأولى.

في هذه الحالات، كان الخلل واضحا في الخطابات الرئاسية، التي بدت منفصلة عن الواقع.

ما أريد أن أقوله: إن الباحثين في تحليل الخطاب سوف يتوقفون طويلا عند حالة الخطاب الرئاسي «الترامبي» الذي يقدم نموذجا لتحول عميق في الخطاب السياسي، حيث تقترب اللغة من لغة الشارع والحانات، ويتراجع فيها الضبط، وتتسارع وتيرة التناقض.

وفي تقديري أن هذا التحول قد يمثل حدا فاصلا في تاريخ الخطاب الرئاسي، بين مرحلة اتسمت بالاتزان والعقلانية، ومرحلة أخرى تتسم بقدر أكبر من الاندفاع والعدوانية وبمستوى أقل من الضبط والاستقرار.