يشعر الناس بتأثير الصواريخ والمسيرات المتطايرة عبر الخليج على مبعدة محيط منه. ففي الأسبوع الأخير من مارس نقلت رويترز عن فيفيان بالاكريشنان وزير خارجية سنغافورة قوله عن الحرب في إيران إنها «أزمة آسيوية»، إذ حوالي 80% من النفط و90%من الغاز الذي يمر عبر مضيق هرمز في العادة يتجه الى الأسواق الآسيوية، والبلدان الفقيرة هي الأكثر تضررا.

ففي الفلبين أكثر من 90% من واردات الطاقة تأتي من الشرق الأوسط. وتحصل بنجلاديش والهند وباكستان على ثلثي إجمالي امداداتها من الغاز الطبيعي المسال تقريبًا عبر مضيق هرمز، لكن البلدان الآسيوية الغنية أبعد من أن تكون في مأمن.

تفخر اليابان باحتياطي نفطي استراتيجي يفي بالطلب المحلي لمدة 254 يوما وكانت قد بدأت في تخزينه عقب أزمات النفط في السبعينيات. لكن خدمات الحافلات والعبارات تقلصت لانعدام الإمداد. كما تعاني الحمامات اليابانية من ارتفاع تكاليف الوقود. وأعلن العديد منها حول اليابان إغلاقا مؤقتا أو دائما بسبب ذلك. كما أوقفت شركة الوجبات الخفيفة «يامايوشي سيكا» إنتاج شرائح البطاطس مؤقتا بعد نفاد الوقود الثقيل الذي تستخدمه في تسخين قلاياتها.

يشكل إغلاق المضيق ثلاثة مخاطر كبيرة لاقتصادات آسيا. أولها ارتفاع أسعار الوقود الذي يزيد التكاليف في القطاعات الأخرى ويقلص النمو ومن الممكن أن يتسبب في دوامة ركود تضخمي.

المعاناة الفورية يشعر بها سائقو السيارات حول المنطقة لكن خصوصا في جنوب شرق آسيا. ارتفعت أسعار البنزين عالميا بنسبة 14% منذ بداية الحرب وفي بلدان جنوب شرق آسيا بحوالي 42%.

أما في الفلبين وميانمار فقد قفزت الأسعار بأكثر من 70%. وهذه من بين أكبر القفزات السعرية في العالم (الأرقام المذكورة قبل 1 أبريل -المترجم).

في أجزاء أخرى من آسيا كالهند وبنجلاديش لم يشعر الناس بأثر القفزة في مضخات الوقود حتى الآن. لكن ذلك فقط لأن الحكومات تتحكم في أسعار الوقود. ففي 27 مارس قالت الحكومة الهندية إنها ستخفض الرسوم الانتقائية (الاستهلاكية) المركزية المفروضة على البنزين والديزل للحيلولة دون ارتفاع الأسعار عند المضخة. ووعدت استراليا وفيتنام باتخاذ إجراءات شبيهة لامتصاص الارتفاع في أسعار النفط. وفي كوريا الجنوبية التي تستورد 70% من نفطها من الشرق الأوسط فرضت الحكومة سقفا على سعر الوقود للحد من الضرر. الخطر الثاني يهدد موازنات الحكومات الآسيوية؛ حيث بدأت حكومات عديدة في إنفاق مخصصات كبيرة على دعم الطاقة أو وضع أسعار الوقود. لكن المجال المتاح في المالية العامة لمثل هذه التدخلات يتفاوت بينها بقدر كبير؛ فالدعومات المتزايدة للوقود في اندونيسيا يمكن أن ينتج عنها انتهاك الحكومة لسقف عجزها المالي الذي يبلغ 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وستتآكل أكثر ثقة المستثمرين الهشة أصلا.

أما باكستان التي تفتقر الى التمويل وتخضع لمراقبة صندوق النقد الدولي فكان لزاما عليها رفع أسعار الوقود بنسبة 20%.

يمكن أن تجتذب مثل هذه الإجراءات انتباه المضاربين غير المرغوب فيه. فهؤلاء يبحثون عن العملات المهتزة، وذُكِر أن وزير مالية اليابان يدرس التدخل في سوق عقود النفط الآجلة لدعم اليَن.

سيكون هنالك حتما بعض التضخم بصرف النظر عما تفعله الحكومات؛ فحيثما تمتنع الحكومات عن تحمل التكلفة المرتفعة للوقود سيغذي ارتفاعُ أسعار الطاقة التضخمَ الرئيسي (الذي يشمل كل السلع والخدمات بما في ذلك الغذاء والطاقة– المترجم).

وستكون البلدان المستوردة للنفط التي تعاني من ضعف سعر صرف عملتها وفاتورة استيراد باهظة للنفط هي الأكثر تضررًا.

لكن حتى البلدان التي تضع سقفا سعريا على الوقود ستفرض عليها الحرب في إيران ضغوطا تضخمية عبر قنوات أخرى. فاضطرابات سلاسل التوريد سترفع التكاليف في صناعات أخرى كالكيماويات واللوجستيات.

يمكن أن يكون الغذاء أكبر مصدر للتضخم؛ فالحرب حبست ثلث تجارة الأسمدة العالمية المنقولة بحرا، وهذا ما سيرفع أسعار الغذاء خصوصًا عندما يبدأ موسم الزراعة في وقت لاحق من هذا العام.

سبق أن توقع بنك التنمية الآسيوي ارتفاع الأسعار في آسيا بحوالي 2.1% في عام 2026. لكنه الآن يحذر من احتمال تجاوز ذلك الرقم نسبة 5%.

إذا كان ارتفاع الأسعار «مشكلةَ اقتصادٍ» لواضعي السياسات الآسيويين فتوافر الوقود «مشكلةُ سياسة وجغرافيا.» وهذه مشكلة ثالثة كبيرة لآسيا.

إلى جانب احتياطات الوقود التي تغطي 254 يوما في اليابان تشير التقديرات إلى أن الصين لديها ما يكفي لحوالي 100 يوم. وشرع كلا البلدين في استخدام تلك الاحتياطيات للتخفيف من الضغوط. لكن يشير تحليل من شركة البيانات «كيبلر» الى هشاشة الوضع في أجزاء أخرى من آسيا. إذ تقدر الشركة أن الفلبين وفيتنام وتايلاند توجد على أراضيها امدادات نفط تغطي الطلب العادي لحوالي ثلاثة أسابيع فقط.

بدأت أوضاع النقص الوشيكة في قلب قطاعات بأكملها رأسا على عقب. ربما قطاعا الطيران والسياحة هما الأشد تضررا. لقد فرضت الصين وكوريا الجنوبية قيودا على صادرات وقود الطائرات من مصافيها. وقللت شركات الطيران في المنطقة عدد رحلاتها. فخلال الأسبوع الأخير من مارس كانت حوالي نصف الرحلات الملغاة عالميا من مطارات في آسيا، حسب بيانات شركة تعقب الطيران «فلايت أوير». وألغت شركة الخطوط الجوية النيوزيلندية 1100 رحلة.

قد تتدخل الحكومات بإجراءات أشد صرامة. فقد حذر رئيس الفلبين من أن وقف تحليق الطائرات «احتمال واضح.»

صدمة الطاقة إلى جانب الاضطرابات التي تتعلق بالمدخلات الأخرى كالهيليوم والألمنيوم يمكن أن تضعِف النموَّ الاقتصادي لآسيا. يتوقع بنك التنمية الآسيوي أن يكون جنوب شرق أسيا الأكثر تضررا بانخفاضٍ في معدلات النمو يمكن أن يصل إلى 2.3 نقطة مئوية. في جنوب آسيا يتوقع البنك تراجع النمو بحوالي 0.8 نقطة مئوية. وستكون للتباطؤ آثار بعيدة المدى. فآسيا هي مصنع اقتصاد العالم.

من المتوقع أن نشهد هناك اندفاعة أقوى نحو الطاقة البديلة؛ فاستثمارات الطاقة الشمسية تتزايد في آسيا، لكن هذا التوجه يمكن أن يتسارع، وقد تظهر أعداد أكبر من السيارات الكهربائية في مدن جنوب شرق آسيا.

أيضا ستنتعش الطاقة النووية؛ ففي أواخر مارس ذكرت فيتنام أنها ستشيد محطة لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية مع روسيا. لكن آسيا ستلجأ أيضا الى استخدام مصدر طاقة آخر أكثر تلويثا هو الفحم الحجري؛ فحكومة اليابان صادقت على العودة إلى استخدام محطات الكهرباء التي تستخدم الفحم الحجري بكامل طاقتها التوليدية. ورفعت بذلك قيدا كان القصد منه الحدُّ من انبعاثات الكربون. وأبلغ المسؤولون الهنود الذين يشعرون بالقلق من الطلب على الكهرباء في الصيف محطةً لتوليد الكهرباء بالفحم الحجري في ولاية جوجارات باستئناف العمل.

المخاوف بشأن الاستقرار السياسي وراء الاتجاه إلى الفحم الحجري؛ فالآسيويون حساسون تجاه أسعار الطاقة وعلى استعداد للخروج الى الشارع بسببها.

فقد بدأ عمال النقل الفلبينيين في التظاهر. وخلال صدمة الطاقة في عام 2022 عندما ارتفعت أسعار الغاز مع بداية الحرب في أوكرانيا اندلعت اضطرابات سياسية في جنوب آسيا. وفي السنة المنتهية في أكتوبر 2022 كانت حوالي ربع كل المظاهرات التي حدثت في المنطقة متعلقة بالغذاء والطاقة، حسب تقديرات مركز الأبحاث الألماني «فريدريش ايبرت.»

وجد الباحثون في صندوق النقد الدولي بعد تحليل الاضطرابات الاجتماعية في 101 بلد نام خلال الفترة 2000 - 2020 ارتباطا واضحا بين الزيادات في أسعار الوقود والاحتجاجات، ويمكن أن تكون هذه المظاهرات ثورية. فأعمال الشغب في سيريلانكا والتي غذَّتها أسعار الطاقة المرتفعة ساهمت إلى حد كبير في اسقاط الحكومة عام 2022. فما بدأ كصدمة طاقة يمكن أن يتحول إلى صدمة سياسية.