حيوان وكائن أسطوري متوحش يشبه الثور، يُوظَّف في احتفال طقسي يُدعى النيروز، بوصفه شكلًا من أشكال الفرجة التقليدية على شاطئ قرية دَغَمر الحاجر في ولاية قريات بسلطنة عمان. يرتبط النيروز العماني بعلاقة مباشرة بالبحر والصيادين والمراكب ومواسم الخير، حيث درج الإنسان العماني على الاحتفاء بالطبيعة، مقرونًا بالبحر الذي يطل على قراه ويشكّل مصدر رزقه. ولم يكن البحر في هذا السياق مجرد فضاء جغرافي، «بل هو امتداد رمزيّ لفكرة القوة الخفية الكامنة في الطبيعة»، تلك القوة التي يخشاها الإنسان ويحتفي بها في آن واحد، مثلما تجسّدها «الدمبوشة» بوصفها كائنًا أسطوريًّا يثير الخوف والفرجة معًا.

لا يُشكّل البحر مصدر رزق للصيادين وحدهم، بل هو فسحة للتأمل وتخفيف الضغوط، كما دخل في الأدب بجميع أنواعه والفنون بوصفه فضاءً للحرية والانفتاح والاتساع. غير أن البحر ذاته لم يعد في العالم المعاصر فضاءً للسكينة فقط، بل أصبح مسرحًا للتوترات والصراعات الدولية والإقليمية. ففي تعرّض ميناء صلالة لحادث «أسفر عن إصابة متوسطة لأحد الوافدين العاملين بالميناء، وتعرّض إحدى الرافعات في مرافق الميناء لأضرار محدودة [...]، وتؤكد سلطنة عُمان إدانتها الاستهدافات الغاشمة، واتخاذها كافة الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على أمن وسلامة القاطنين عليها»، إبان الحرب الإسرائيلية-الأمريكية-الإيرانية، لم يعد البحر رمزًا للرزق أو التأمل، بل هو مؤشر على تحوّل العالم نفسه، من فضاء طبيعي إلى ساحة مفتوحة للقوة والصراع، بما يفرض رؤى جديدة للكتابة، والنقد، والإبداع، والحب، والسفر، والأمان، بل وللإنسان نفسه.

أمام هذا التحوّل، يبرز سؤال وجودي قديم يتجدّد اليوم: إلى أين نحن ماضون؟

بكلمة واحدة: إلى عالم ليس لنا.

ما الذي كان يوحدنا كعرب أو خليجيين؟ بكلمة أخرى: الخوف.

ممَّ الخوف؟ بكلمة واحدة: الوحش.

ربما هناك طرق عدة للإجابة، لكن ينبغي الحذر في طرح السؤال الذي لا يقودنا إلى أماكن غائبة، وخرائط تيه جديدة، وتكوينات طائفية ومذهبية مستعارة لتمثيلات وثائق محفوظة في السجلات الرسمية. وهنا تعود «الدمبوشة» رمزًا مبكرًا لهذا الوحش الذي حاول الإنسان احتواءه عبر الأسطورة والطقس والفرجة.

لم تكن الدمبوشة، في هذا السياق، مجرد حيوان متوحش يثير الفرجة، بل كانت تمثيلًا لاستعادة الفرح لدى الأطفال، وتجسيدًا رمزيًّا لقوة الطبيعة الخفية التي يخشاها الإنسان ويحتفي بها في آن واحد، ومزجًا بين الموروث الشعبي المحلي والانطلاق نحو العالمية. فقد استطاعت الأساطير، منذ عصور ما قبل الميلاد، أن تمنح الإنسان أدوات لتفسير العالم، وأسرار الوجود، وتجسيد عناصره، ومن بينها تلك القوة الغامضة التي تتأرجح بين الخير والشر.

ظل العقل البشري يطرح أسئلته القديمة: لماذا يوجد الشر في الكون؟ وأيهما أسبق: الخير أم الشر؟ أسئلة لم تحظ بإجابات حاسمة، لكنها كشفت عن وعي الإنسان بذاته ومأزقه الوجودي بوصفه كائنًا يحمل قابلية مزدوجة. يعيش الإنسان الحديث أزمات عديدة في عالم متدهورةٍ علاقاته وقاتمة آفاقُ النور فيه. أزمات سياسية واقتصادية عالمية ليس هدفها رفاهيته وأمانه، بل تحطيم إنسانيته وكرامته وهتك وجوده الآمن.

ويقدّم القرآن الكريم تصورًا عميقًا لهذه الطبيعة الإنسانية المزدوجة، حيث تتعدد أنماط الشر في الإنسان بين النفسي المرتبط بالضعف والعجلة والجزع، والأخلاقي الناتج عن الهوى كالحسد والبخل والعدوان، والفكري المتصل بالجهل والإنكار، والاجتماعي الذي يتجلى في الظلم والفساد، والعقدي المرتبط بالجحود، والسلوكي العملي الذي يظهر في القتل والإفساد في الأرض. وهي جميعها تؤكد أن الإنسان ليس شريرًا بطبيعته، بل كائن يمتلك حرية الاختيار.

ولعل الشعر كان أسبق من السياسة في استشعار هذا التحول. ففي قصيدته الجميلة «خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض»، يكتب محمود درويش قائلًا:

«لقد رسمنا صورة الوحش كي نألفه

حين يصبح الوحشُ مألوفًا

نصيرُ جزءًا من طبيعته».

فكيف يتحول الإنسان ليعتاد مع الوحش؟

هل هناك وحش مُتفهم؟

كيف يصير الإنسان آلة مطيعة؟ أو كيف يتحوّل إلى إرهابي أو قاتل مأجور؟ أو داعمًا لأنظمة قمعية؟

كل شيء سيُناقش إلا قضية حقوق الإنسان وكرامته.

الرجل الأبيض لم ينهِ خطبته الحديثة بعد. يقول متوعدًا عالمنا بالهلاك والدمار والخراب الأبدي وينذرنا بجحيم لا حدود له:

«افتحوا المضيق أيها الأوغاد المجانين، وإلا ستعيشون في الجحيم [...] الحمد لله Praise be to allah».

وفي خلفية هذا التوّعد تساؤل قديم لرجل أبيض آخر هو السناتور الديمقراطي روبرت بيرد القائل: «ما الذي يحصل لهذا البلد؟ متى أصبحنا أمة تتجاهل أصدقائها وتُهينهم؟ متى قررنا المخاطرة بالنظام الدولي عن طريق اتخاذ موقف راديكالي متعصب باستعمال قوتنا العسكرية المهولة؟ كيف يمكننا التخلي عن الدبلوماسية في الوقت الذي يتطلّب العالم هذه الدبلوماسية بإلحاح؟».

لماذا عاد العالم إلى الوضع البائس؟

إن العالم الحديث يبدو وكأنه يعيد إنتاج الوحش، لا بوصفه رمزًا أسطوريًّا، بل كواقع مادي تُمنح فيه القوة شرعية مطلقة، بصرف النظر عن أي اعتبار أخلاقي. فالإنسان اليوم لا يكتفي بتمثيل الوحش في طقس احتفالي، بل يصنعه، ويعيد إطلاقه في صورة أنظمة وهيمنات وشبكات مصالح معقدة، تحكمها الرغبة في السيطرة وحيازة المال والنفط، ولو على حساب الإنسان ذاته.

وربما لم يعد الوحش بحاجة إلى هيئة جسدية أو حفلة تنكرية، فقد صار يتجسد في أنظمة كاملة من الخوارزميات، تتخذ من القوة مبررًا، ومن الأمن ذريعة، ومن الخوف وسيلة لإخضاع الإنسان، في عالم يتراجع فيه السؤال الأخلاقي أمام منطق البقاء للأقوى. إزاء منطق البقاء للأقوى، هل يصل الإنسان إلى نتيجة خطيرة هي نبذ الأديان جميعًا؟

في هذا السياق، تثير ملفات جيفري إبستين، رجل الأعمال والممول الأمريكي (1953–2019)، نموذجًا صارخًا لهذا التحول، إذ لم تكشف قضيته عن الشر فحسب، بل عن وحش متخفٍ في شبكة من النفوذ والسلطة والوحشية والقذارة، يوظف الإنسان ذاته بوصفه مادة للاستغلال.

وحين يغرق العالم في الوحل، بتعبير الفيلسوف مارتن هيدجر، لا يجد طريقًا للخروج إلا عبر مزيد من التضليل وافتعال القضايا والملفات الساخنة التي تتفنن الصحف ووسائل الإعلام والرأي العام في تمريرها إلى واجهة التمثيل، حيث يُخفى الجوهر خلف وقائع سطحية.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتجاوز إلى إعادة توظيف الأسطورة ذاتها في خدمة القوة وتوجيه أنظار العالم بشكل مضخم إلى ضفاف أخرى. ففي سياق ما يمكن تسميته بـ«الإبستنية»، انتشرت عبر وسائط التواصل روايات عن أسطورة «البقرة الحمراء» ذات الجذور التوراتية، وما يرتبط بها من تأويلات تتصل بإعادة بناء الهيكل.

وهنا تتحول الأسطورة من أداة تفسير رمزي للعالم إلى أداة أيديولوجية تُستخدم في توجيه الأحداث، وتبرير الصراعات، في عالم يشهد حروبًا غير أخلاقية تُسخَّر فيها التكنولوجيا لخدمة سرديات دينية وسياسية.

إن ما يواجهه العالم اليوم ليس مجرد صراع بين الخير والشر، بل محاولة لفرض منطق جديد يقوم على خيارين كلاهما مرّ: إما الإذعان لقوة عارية من الأخلاق، أو الانخراط في منظومات أسطورية مؤدلجة تُعاد صياغتها لخدمة الهيمنة. وبين هذين الخيارين، يتوارى الإنسان، وتعود «الدمبوشة» لا بوصفها طقسًا احتفاليًّا، بل كصورة رمزية لعالمٍ صار فيه الوحش هو القاعدة، لا الاستثناء.