نائلة المعمري: غياب اللوائح الفنية ساهم في زيادة سرقة ونسخ الأعمال الفنية التشكيلية
جمعة البطاشي: التقليد خطوة طبيعية جدا لأي فنان في بداية مشواره الفني
غدير الرحبي: هناك تأثير صحي وهو تأثر الفنان بأسلوب فنان آخر بدون نسخ كامل للعمل
عبدالله البلوشي: العلامة الفارقة هي الاستمرارية والتطور وهذا ما يفتقده الناسخ
صفاء الريامي: المحاكاة تصبح مشكلة إذا استمر دون أن ينتقل الفنان إلى البحث عن صوته الخاص
*****************************
يجمع الفنانون على أن المحاكاة أو التقليد تعد مرحلة أساسية وطبيعية في بدايات التكوين الفني، واعتبروها وسيلة تعليمية فعالة تساعد المتدرب على اكتساب المهارات التقنية، وفهم الأساليب الفنية، وبناء حس بصري قادر على تحليل التكوين والألوان والتفاصيل، فهي ليست سرقة فنية بقدر ما هي تمرين وتدريب يسهمان في صقل الموهبة وتنميتها. غير أن هذه المرحلة تظل انتقالية، وينبغي تجاوزها نحو بناء أسلوب خاص يعكس هوية الفنان وتجربته الذاتية مع الوقت.
وتبرز المشكلة الأساسية حين يتحول التقليد من أداة للتعلّم إلى قيد يفرض سطوته على قدرة الفنان على الابتكار وشق ووضع بصمة خاصة تميز فنه عن الآخرين. من جانب آخر، أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تفاقم هذه الظاهرة عبر تسهيل الوصول إلى الأعمال الفنية ونسخها دون توثيق أو إضافة، ما أدى إلى استنساخ أعمال كثيرة أحيانا وسرقتها أحيانا أخرى.
في السطور القادمة يناقش مجموعة من الفنانين موضوع التقليد باعتباره خطوة أساسية بادئ الأمر ثم باعتباره مشكلة ثانيا، قبل أن يخلصوا إلى أن المحاكاة تمثل نقطة انطلاق ضرورية، لكنها لا تكتمل إلا بتجاوزها نحو تحقيق الاستقلالية الفنية وبناء بصمة مميزة.
***************************
المحاكاة كخطوة أساسية
اعتبرت الفنانة نائلة المعمري التقليد أو المحاكاة خطوة تعليمية أساسية في بدايات أي فنان، وقالت: التقليد (المحاكاة) هنا يعتبر تدريبا لتيمكن الفنان من اكتساب المهارات التقنية، وفهم أساليب الفنانين العالمين وكبار الفنانين التشكيليين المعاصرين، ويساهم التقليد المتدرب أو المحاكي في تفكيك اللوحات من حيث التكوين والألوان وغيرها من الأسس الفنية، لذلك نستطيع أن نعتبرها مرحلة تدريب وتمرين وليست سرقة فنية لأنها تهدف الى التعلم وتساهم في صقل موهبته وتطوير مهاراته، ولكن يفضل أن يمتنع من عرضها في الفعاليات التشكيلية، لأنها تقليد لعمل فني آخر.
وقالت الفنانة التشكيلية صفاء الريامي: "في المراحل الأولى من تكوين الفنان، يُعد التقليد خطوة تعليمية أساسية، إذ يتيح له فرصة التعرّف على الأدوات الفنية وفهم التقنيات التي طورها الآخرون عبر التاريخ. فالمحاكاة في هذه المرحلة ليست مجرد نسخ، بل هي وسيلة لاكتساب الخبرة وصقل الحس الجمالي. ومع ذلك، يظل التقليد مرحلة انتقالية ينبغي تجاوزها؛ إذ إن القيمة الحقيقية للعمل الفني تكمن في قدرة الفنان على بلورة أسلوبه الخاص الذي يعكس رؤيته الفردية وتجربته الذاتية. ومن هنا، يمكن القول إن التقليد يمثل جسرًا نحو الإبداع، لكنه لا يشكّل غاية نهائية، بل نقطة انطلاق نحو بناء هوية فنية مستقلة."
وفند الفنان التشكيلي عبدالله البلوشي الفرق بين النسخ والمحاكاة قائلا: "التقليد في بداياته يُعد نسخًا، كأن يقلّد المتدرّب لوحة فنان أو منظرًا معينًا، بهدف التعلّم وفهم الأساسيات. ومع الاستمرار، ينتقل إلى مرحلة المحاكاة، حيث يبدأ باستيعاب ما تعلّمه وتظهر شخصيته الفنية تدريجيًا.
يساعد النسخ المتدرّب على التعرّف على الخامات والأدوات واكتساب مهارات تقنية وبصرية، حتى يصل إلى مستوى جيد من الإتقان. بعد ذلك، تأتي أهمية القراءة واكتساب المعرفة، ثم تحليل التجارب والمقارنة بينها. فالمعرفة تمثّل الجسر الذي ينقل الفنان من التقليد إلى الإبداع."
توافقهم الفنانة التشكيلية غدير الرحبي الرأي مؤكدة أن التقليد بداية الفنان مهمة و مفيدة مثلها مثل أي شخص يتعلم حرفة جديدة في حياته، وأشارت إلى أن التقليد يجب أن يتوقف متى ما أخذ المتدلرب الأساسيات بشكل كاف ولكن الاستمرار فيه بدون تطوير يعتبر مشكلة .
وقالت: "ليس كل فنان موهوب، لذلك التعلم مهم، الكثير من الأشخاص يملكون الموهبة لكنها لا تكفي، يجب على الفنان أن يتعلم و يبحث و يبني مخزونا بصريا و يدرب عينه على ملاحظة التفاصيل الصغيرة، فالتعلم يساعد الفنان أيضا في فهم أسلوب الظل والنور والخطوط والألوان، يجب على الفنان أن يطور من الموهبة و المهارات الموجودة لديه و يصقلها بشكل صحيح إلى أن يصل لمرحلة معرفة الذات ومعرفة ميوله الفنية ويستغني عن مرحلة التقليد .
ورأى الفنان جمعة البطاشي أن التقليد في البداية يعتبر خطوة طبيعية جداً لأي فنان وهذا ما غذانا بصريا في بداية مشوارنا الفني فالتقليد مثل التمرين يتعلم فيه الفنان كيف يصطاد التفاصيل وكيف يفهم الأسلوب وكيف يضبط يده وعينه. وقال: "كثير من الفنانين الكبار بدؤوا بالتقليد، لكن الفرق الحقيقي يبدأ عندما يحاول الفنان الخروج من هذا الإطار ويبحث عن بصمته الخاصة."
من التعلم إلى تعوّد النسخ
بعد الخطوات الأولى في طريق الفن قد يستحيل على الفنان رمي عكازة التقليد والمشي بقدميه،فتبدأ المشكلة في اتخاذ التقليد أسلوبا وغاية، تقول المعمري: "عندما يتحول التقليد والمحاكاة من وسيلة للتعلم واكتساب المهارة وتطوير الموهبة إلى غاية نهائية بحد ذاته، مما يقتل إبداعه الفني الذي يشكل شخصيته الفنية المستقلة، تتولد مشكلة انعدام التجديد في الأفكاروتقنيات الفنان، هنا سيصبح مستنسخ من أعمال فنية خاصة بفنانين آخرين، ولهذا سيجعل أعماله الفنية مفتقرة للأصالة وروح الابتكار الفني والإبداعي الذي يجعل منه بصمة خاصة.
ووجدت الريامي أن المحاكاة تصبح مشكلة عندما تستمر لفترة طويلة دون أن ينتقل الفنان إلى مرحلة البحث عن صوته الخاص. في البداية، وقالت: " هي وسيلة للتعلّم واكتساب المهارة، لكن إذا ظل الفنان أسيرًا للتقليد، فإنه يفقد القدرة على التعبير عن ذاته ويظل عمله مجرد انعكاس لأساليب الآخرين".
ورأى البلوشي أن المشكلة تظهرعندما يتحول التقليد إلى نسخ مباشر دون تطوير، أو بسبب توجيه غير صحيح للمتدرّب.
وأضافت الرحبي: "يصبح التقليد مشكلة إذا استمر الفنان في الاعتماد على أسلوب التقليد والنسخ فقط بدون محاولة تطوير نفسه أو تطوير المهارات لديه، يصبح التقليد مشكلة أكبرإذا فقد الفنان القدرة على الرسم من خياله أو من مراجع متعددة أو استمر على أسلوب واحد فقط ف الرسم وأيضا إذا قام الفنان بنشر الأعمال وكأنها من أسلوبه الخاص وأفكاره الخاصة وهي مجرد نسخ أو تقليد عمل شخص آخر".
وأكد البطاشي قائلا: "المشكلة تبدأ عندما لا يبرح الفنان المرحلة والمستوى، فيكرر أعمال غيره بدون إضافات خاصة أو عندما يعرض العمل وكأنه عمله الخاص، هنا يتحول الموضوع من تعلم إلى نسخ وهذا يضر بالفنان قبل غيره، ويضع نفسه في موقف محرج. "
وسائل التواصل الاجتماعي ونسخ الأعمال الفنية
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية أصبح الاعتماد على، وانتحال صور ولوحات ينشرها الآخرون أمرا سائدا، تقول المعمري: "للأسف ساهمت السوشيال ميديا في زيادة سرقة ونسخ الأعمال التشكيلية، وذلك بسبب عدد من العوامل منها: سهولة عرض ونشر صورة العمل بشكل سريع وبجودة عالية، غياب اللوائح الفنية التي تحمي الفنانين من حيث الملكية الفكرية الفنية ولضمان حقوقهم الفنية، وعدم وجود نقابة فنانين تشكيليين، وانتاجها بفكر تجاري لسهولة البيع من أجل المكاسب المالية ولسهولة الوصول إلى القمة الفنية مما خلق بيئة فنية غير أصيلة، وتفتقر للهوية الفنية، والتجربة الإبداعية."
وأكدت الريامي على مساهمة السوشيال ميديا بشكل ملحوظ في انتشار ظاهرة نسخ الأعمال الفنية وتقديمها دون إضافة أو ذكر للمصدر. وقالت: "بفضل كثرة البرامج وتنوع المنصات وسهولة الوصول إلى الصور، أصبح تداول الأعمال سريعا، مما شجع على إعادة نشرها أو تقليدها دون مراعاة حقوق أصحابها. هذا الانفتاح الرقمي، على الرغم من أنه أتاح فرصًا واسعة للتعلم والاكتشاف، إلا أنه في الوقت نفسه أدى إلى إضعاف قيمة الأصالة والإبداع، حيث بات بعض الفنانين يكتفون بالمحاكاة السطحية بدلا من تطوير أسلوب شخصي يعكس رؤيتهم الخاصة."
وقالت الرحبي: "بعض المنصات ساعدت الفنان على إيجاد الصور بشكل أسهل و بدون تعب وساعدت البعض أيضاً فينسب جهد وأفكار بعض الفنانين لأنفسهم، وسهلت على البعض نشر الأعمال بدون ذكر مصدرها وجعلت البعض ينسخون أعمال الغير بدون التعلم منها. هناك فرق كبير ف النهاية بين أن يستخدم الفنان صورة كمرجع أو أن ينسخها و ينسبها لنفسه بدون ذكر المصدر الأساسي للصورة ، فأصبح مجرد مقلد للفنان الأساسي وطامس لشخصيته وفنه."
واتفق البلوشي والبطاشي: في كون السوشيال ميديا مساهما في انتشار الأعمال المنسوخة ونسبها لغير أصحابها، وهو ما يُعد سرقة فكرية، إضافة إلى أنها أصبحت منصة مفتوحة لكل المستويات، بفضل الوصول السهل والسريع للأعمال ما خلق نوعا من الاستسهال بدل الاجتهاد الحقيقي."
العلامة الفاصلة
بين هذا وذاك يبقى السؤال عن العلامة الفاصلة بين تأثر يعلم ونسخ يأخذ حق الغير، تقول المعمري: "العمل الفني هو الناقل الأساسي للخبرة الحقيقة لتجربة إنسانية فنية والذي يعْمَل فوراً على بِناء المعنى الحقيقي بين الفنان المبدع والمُتلقي، محققاً التواصل الجمالي البصري، فالفن يسعى دائماً لكشف ما هو جوهري وأصيل في الأعمال، فنجد العمل الفني يُمُدنا بمثال حقيقي على الوجود الإنساني، وعلى تلك العملية المستمرة في بناء عمل اصيل. فغذا غاب هذا التواصل الأصيل ستكون المخرجات أعمال تم محاكاتها وتقليدها، أعمال فقيرة إبداعيا."
ورأت الريامي أنة العلامة الفاصلة بين التأثر والنسخ تكمن في طبيعة العلاقة بين الفنان والمصدر، وقالت: "التأثر يُعد عملية تعليمية وإبداعية، إذ يستلهم الفنان من تجارب الآخرين ليطور أسلوبه الخاص ويضيف بصمته المميزة، مما يسهم في تطوره الشخصي ويترك أثرًا في المجتمع الفني. أما النسخ، فهو مجرد إعادة إنتاج للعمل دون إضافة أو ابتكار، وهو بذلك يسلب حق الغير ويحول دون نمو الفنان، إذ يبقى أسيرًا لتجارب الآخرين دون أن يحقق استقلالية فنية أو إبداعًا أصيلًا."
ووجد البلوشي أن العلامة الفارقة هي الاستمرارية وتطوّر الأسلوب؛ فالمبدع يطوّر هويته، بينما الناسخ يفتقدها.
وقالت الرحبي: "هناك تأثير صحي وهو تأثر الفنان بأسلوب فنان آخر ولكن بدون تقليد أو نسخ بشكل كامل للعمل، كأن يأخذ الفكرة أو يقتبس الأسلوب ويغير أو يضيف، و لكن النسخ و التقليد غير مقبول أبدا.
وفند البطاشي الفرق بين التأثر والنسخ ببساطة بقوله: "التأثر يجعلك تتعلم وتخرج بشيء جديد يحمل روحك، أما النسخ فهو نقل الفكرة أو العمل كما هو بدون إضافة، وهوية الفنان الحقيقي يتعرف من بصمته وليس من تشابهه مع غيره."