د.حكمت المصري
لم يعد الألم في غزة مجرد وجعٍ عابر يمكن احتماله أو تأجيله، بل تحوّل إلى عبء يومي ثقيل، يتسلل إلى تفاصيل الحياة، ويتفاقم مع كل إغلاقٍ للمعابر، في قطاعٍ أنهكته الحرب والحصار.
لم تعد المعاناة صحية فحسب، بل أصبحت مركّبة، حيث يتداخل الألم الجسدي مع نقص الماء، وغياب العلاج، وانهيار الخدمات الأساسية. ومع تصاعد التداعيات بعد الحرب الإقليمية الأخيرة، بات الغزيون يواجهون واقعًا أكثر قسوة، لا يُقاس فقط بشدة الألم، بل بغياب القدرة على تخفيفه.
في ظل الحرب والحصار، والانهيار المتسارع للمنظومة الصحية، تقف خدمات طب الأسنان اليوم على حافة الانهيار الكامل، بعد أن نفدت المواد الأساسية، وانعدم التخدير الموضعي، وأُغلقت عشرات العيادات أبوابها، تاركةً المرضى في مواجهة مباشرة مع الألم.
وتفاقمت هذه الأزمة بشكل غير مسبوق مع التطورات الإقليمية الأخيرة، حيث أدى التصعيد العسكري وإغلاق المعابر إلى تقليص دخول البضائع والمستلزمات الأساسية، بما في ذلك الأدوية والمواد الطبية والوقود، ما انعكس مباشرة على قدرة المرافق الصحية على الاستمرار، وحتى على توفر المياه اللازمة للنظافة والعلاج. تحذيرات نقابة أطباء الأسنان في غزة لم تعد مجرد بيانات، بل صرخة إنسانية في وجه كارثة صامتة، حيث باتت العلاجات البسيطة، كخلع ضرس أو تنظيف التهاب لثوي، إجراءات شبه مستحيلة دون تخدير أو أدوات مناسبة.
خلعتُ ضرس ابني وهو يصرخ
تجلس أم محمد سالم (34 عامًا) في خيمتها جنوب القطاع، تمسك بيد طفلها ذي السنوات الثماني، الذي لم يتوقف عن البكاء منذ أيام. تقول بصوت متعب: "كان عنده تسوّس بسيط، ما قدرنا نعالجه بالبداية. فجأة صار الألم لا يُحتمل. رحنا لعيادة قريبة، قالوا ما في تخدير." تتوقف قليلًا، ثم تضيف: "بعد ما سكّروا المعابر، كل شيء اختفى، قالوا ما في مواد ولا تخدير."
وتتابع بصوت يرتجف: "حاول الطبيب يساعد، بس ابني كان يصرخ بشكل مش طبيعي. اضطرينا نرجع بعد يومين، خلعوا له الضرس بدون تخدير، كنت ماسكته وهو يرتجف، وأنا ببكي أكثر منه." لم تنتهِ معاناتها عند هذا الحد، إذ تضيف: "حتى بعد الخلع، ما قدرنا نريّحه، ما في مضاد حيوي قوي داخل العيادات الحكومية. صار الألم يزيد بدل ما يخف."
تضاعف خطر مرضى السكري والضغط
في زاوية أخرى من المشهد، يجلس أبو علاء هاني (58 عامًا)، مريض سكري وضغط، يعاني من التهاب حاد في اللثة منذ أسابيع. يقول: "الدكتور قال لي لازم تنظيف وعلاج، بس ما في أدوات ولا أدوية. الاحتلال يمنع دخول المواد المخدّرة اللازمة لعلاج الأسنان."
ويربط حالته بتدهور الأوضاع مؤخرًا: "من وقت بداية الحرب الإقليمية وإغلاق المعابر، كل شيء صار أسوأ، لا في أدوية للسكري زي قبل، ولا في أكل مناسب. حتى المي صارت قليلة." يصمت قليلًا، ثم يضيف: "كل يوم بصحى على الوجع، السكر عندي ارتفع بسبب الالتهاب، والضغط صار مش مضبوط. حياتنا أصبحت أشبه بالجحيم." ويختم بمرارة: "الألم مش بس في الضرس، الألم في الشعور إنك تُترك بدون علاج، وبدون أبسط مقومات الحياة."
ويؤكد الدكتور حسام أبو عودة، أخصائي الباطنة في مستشفى الخدمة العامة، أن مرضى الأمراض المزمنة، خاصة السكري، هم الأكثر عرضة لمضاعفات خطيرة نتيجة التهابات الأسنان، والتي قد تتطور إلى التهابات جهازية تهدد الحياة. ويضيف أن معظم الحالات تشهد مضاعفات يصعب السيطرة عليها، خصوصًا في ظل انعدام مقومات الحياة التي تضعف مناعة المرضى.
المجاعة تُنخر أسنان الأطفال
لم تعد المجاعة تسرق فقط الأجساد الهزيلة، بل امتدت لتنهش أسنان الأطفال أيضًا. مع غياب التغذية السليمة، وانعدام الحليب والفيتامينات والبيض، وانتشار بدائل غذائية فقيرة، ارتفعت بشكل ملحوظ حالات تسوّس الأسنان بين الأطفال. تقول المعلمة براء جميل (30 عامًا)، التي تعمل في أحد مراكز الإيواء: "أغلب الأطفال عندهم تسوّس واضح، أسنانهم متآكلة، وبعضهم يعاني من خراجات."
وتوضح تفاقم الأزمة: "بعد تقليص دخول البضائع، اختفى الحليب والفيتامينات تقريبًا. الأطفال صاروا يأكلوا أي شيء يسد جوعهم." وتضيف: "ما في معجون أسنان كافي، ولا مي كفاية للنظافة. بدون وقود، ما في ضخ منتظم للمياه، وهذا كله عم يزيد الوضع سوء."
"أنا حامل ولا أستطيع النوم من الألم"
أما سمر خالد (27 عامًا)، وهي في شهرها السادس من الحمل، فتعيش معاناة مضاعفة. تقول: "من أسبوعين وأنا بعاني من ألم في ضرس العقل. قالوا لازم خلع، بس بدون تخدير؟!" ثم تضيف: "حتى المسكنات مش متوفرة زي قبل، قالوا بسبب إغلاق المعابر ونقص الإمدادات." وتتابع وهي تضع يدها على خدها: "غير الألم، أنا بعاني من العطش. المي قليلة في المخيمات، وما بقدر أشرب زي ما لازم، بحس الجفاف بيزيد الوجع." وتختم بصوت متهدج: "قالوا لازم أرتاح وأتغذى منيح، بس لا في أكل كفاية، ولا مي، ولا علاج."
ويؤكد مختصون أن التهابات الأسنان لدى الحوامل قد تؤثر على صحة الجنين، وتزيد من احتمالات الولادة المبكرة، ما يجعل التدخل الطبي العاجل ضرورة لا تحتمل التأجيل.
أطباء بلا أدوات
في إحدى العيادات القليلة التي لا تزال تعمل، يقول الدكتور مراد الدحنون، طبيب أسنان: "نحن نعمل بحدود المستحيل، لا مواد حشو، لا أدوات تعقيم كافية، لا تخدير." وأضاف: "حتى الأجهزة ما بنقدر نشغلها، ما في وقود. الكراسي، التعقيم، الإضاءة كلها تحتاج كهرباء." ويتابع: "بعد تشديد الحصار وإغلاق المعابر، الوضع انهار أكثر. حتى لو توفر شيء بسيط، ما في طاقة نشغّله." ويختم: "أصعب لحظة لما تشوف مريض قدامك يتألم، وأنت عاجز تساعده، هذا مش طب، هذا صراع مع الألم فقط."
دعوة عاجلة قبل الكارثة
ما يحدث اليوم في قطاع غزة لم يعد مجرد تدهور في خدمات طب الأسنان، بل انقطاع فعلي للعلاج، وترك آلاف المرضى لمواجهة الألم والمضاعفات دون أي حماية، في ظل حصار مشدد ونقص حاد في الأدوية والمياه والوقود. وتحمّل الجهات الطبية المسؤولية للأطراف المعنية، مطالبةً بتدخل دولي فوري وعاجل لإدخال المواد الأساسية، وعلى رأسها التخدير الموضعي وأدوات العلاج، لضمان استمرارية الحد الأدنى من الخدمات.
كل يوم تأخير يعني مزيدًا من المرضى بلا علاج، ومزيدًا من الألم الذي لا يُحتمل. في غزة، لم يعد السؤال: هل يوجد علاج؟ بل أصبح: كم من الألم يمكن أن يتحمله الإنسان قبل أن يُترك وحيدًا؟