العُمانية/ أصبحت الصحة الرقمية أحد أبرز التحديات الصحية التي تواجه فئة الشباب في العصر الحديث، في ظل التحول المتسارع نحو الاعتماد المكثف على التقنيات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي. فلم يعد تأثير الفضاء الرقمي مقتصرًا على تسهيل التواصل أو الوصول إلى المعرفة، بل تجاوز ذلك ليطال أنماط التفكير، والسلوك اليومي، والصحة النفسية والجسدية على حد سواء.

كما أن طول فترات استخدام الشاشات، وتداخل العالم الافتراضي مع الواقع، يفرضان إشكالات صحية جديدة تتطلب مقاربات توعوية وتحليلية تتجاوز الحلول السطحية. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى فهم أعمق لمفاهيم إدارة وقت الشاشات، والصحة البصرية، والوقاية من الإدمان الرقمي، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على التوازن النفسي للشباب، بما يسمح بتصميم تدخلات صحية تراعي الخصوصية العمرية والثقافية وتدعم الاستخدام الواعي والمسؤول للتكنولوجيا.

وفي هذا السياق قالت وردة بنت وحيد الهوتي، أخصائية إرشاد وعلاج نفسي أن كثير من الشباب ينتابهم شعور بأن الوقت يمرّ سريعًا، وأن اليوم ينقضي دون الإحساس بالإنجاز، رغم الإرهاق الذهني المستمر، وعند التوقف لمراجعة كيفية استثمار الوقت، يتضح أن جزءًا كبيرًا منه يُستهلك في استخدام الشاشات بشكل غير واعٍ ما يؤدي إلى تقلص الشعور بالإنجاز وتراكم مشاعر الذنب وتأنيب الضمير، وكأن هذه الشاشات قد سلبت الوقت وشتّتت الانتباه وأجّلت الأولويات المهمة.

وبينت أن الإفراط في استخدام الشاشات لا يؤثر فقط على عدد الساعات المستهلكة إنما يضعف الإحساس بالوقت ذاته، فالتعرض المستمر للمحتوى المتنوع والسريع يجعل الانتقال من دقائق إلى ساعات يحدث دون إدراك أو وعي، مما يربك قدرة الشاب على التخطيط ليومه أو الالتزام بأولوياته، ومع الوقت تتشكل فجوة بين ما ينوي الفرد إنجازه وما يعيشه فعليًا فيشعر باشتغال دائم دون نتائج ملموسة.

وأضافت: يتعمق هذا الخلل في ظل غياب المهارات التنظيمية حيث لم يتعلم كثير من الشباب كيفية إدارة وقتهم أو التعامل مع المشتتات الرقمية بوعي، وفي هذه الحالة تتحول الشاشات إلى ملاذ سهل للهروب من الضغوط أو الملل بدلًا من كونها أداة تخدم الأهداف والتواصل، وكلما ضعفت مهارات التنظيم الذاتي زادت قابلية التأجيل وفقدان التوازن بين الحياة الرقمية والواقعية.

وقالت إن هناك علاقة مباشرة بين إدارة وقت الشاشات ومستوى الإنتاجية والتركيز، حيث إن التنقل المستمر بين التطبيقات وكثرة الإشعارات والمحتوى السريع يؤدي إلى تشتت الانتباه وانخفاض القدرة على التركيز العميق، ومع الاعتياد على هذا النمط يصبح إنجاز المهام التي تتطلب صبرًا وجهدًا ذهنيًّا مستمرًا أكثر صعوبة مما ينعكس سلبًا على الأداء الدراسي والمهني.

وأكدت على أن الوعي الذاتي لهو أداة أساسيّة للحدّ من هذه الآثار، لكنه ليس حلًّا آليًّا، والوعي الذاتي يساعد الشاب على إدراك دوافع استخدامه للشاشات وملاحظة اللحظات التي تتحوّل فيها الشاشات من وسيلة مفيدة إلى مصدر استنزاف للوقت والطاقة، ومن خلال هذا الإدراك يصبح من الممكن وضع حدود واقعية للاستخدام وبناء علاقة أكثر توازنًا مع التكنولوجيا لتكون قائمة على الاختيار الواعي لا على الاستخدام التلقائي.

وقالت الدكتورة زمزم بنت علي الهاشمي، رئيسة قسم التحليل السلوكي والتسويق الاجتماعي بدائرة تعزيز الصحة بوزارة الصحة إن التعرض المطوّل للشاشات دون فترات راحة كافية يؤدّي إلى ما يُعرف بإجهاد العين الرقمي، وهو حالة شائعة تتضمن جفاف العين، وتشوش الرؤية، والصداع، وصعوبة التركيز.

وأضافت أن السبب الرئيس يعود إلى التحديق المستمر في الشاشات لمسافات قريبة مع انخفاض معدل الرمش الطبيعي، ما يؤدي إلى إرهاق العضلات البصرية واضطراب طبقة الدموع الواقية للعين، بالإضافة إلى أن الاستخدام المطوّل للشاشات بوضعيات خاطئة ينعكس على الجهاز العضلي الهيكلي للشخص، حيث تسهم الانحناءات المتكررة للرأس والكتفين أثناء استخدام الهاتف أو الحاسوب في زيادة الضغط على فقرات العنق والظهر مما يسبب ما يسمى عالميًّا (برقبة الهاتف)، تنتج عنه آلامًا في الرقبة وأسفل الظهر قد تتحول إلى مشكلات مزمنة مع الوقت.

ووضحت أن الشباب الذين يقضون ساعات طويلة في وضعيّات غير صحيحة قد يتعرضون لتغيرات تدريجيّة في انحناءات العمود الفقري، وضعف في العضلات الداعمة للظهر وآلام قد تبدأ مبكرًا في مرحلة الدراسة.

ونوهت على أن التوعية المبكرة تعد أولوية صحية فهي تمثل حجر الأساس في الوقاية، إذ تسهم في بناء وعي صحي لدى جيل الشباب قبل ترسخ العادات الخاطئة. لذا أصبح من الضروري توعية طلاب المدارس والجامعات بالأخص والمجتمع على وجه العموم بتحسين السلوكات الخاطئة عند استخدام الأجهزة فبالإمكان التغلب على معظم هذه المضاعفات الصحية بتدخلات بسيطة مثل أخذ فواصل حركية كل 30 أو 60 دقيقة من استخدام الأجهزة، وتطبيق قاعدة 20-20-20 لإراحة العين وهي النظر إلى مسافة 20 قدمًا كل 20 دقيقة عند استخدام الشاشات لمدة 20 ثانية، بالإضافة إلى ضبط ارتفاع الشاشة بما يتناسب مع مستوى النظر، إلى جانب الجلوس باستقامة مع دعم أسفل الظهر.

فيما أشار محمد بن خميس العجمي، متخصّص في تقنية المعلومات وصانع محتوى رقمي إلى أن التكنولوجيا أصبحت جزءًا أساسيًّا من حياة الشباب، حيث يقضون ساعات طويلة أمام الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. ورغم ما توفره هذه الوسائط من فرص للتعلم والتواصل، فإن الاستخدام المفرط قد يتحول إلى سلوك سلبي يؤثر على الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية والتحصيل الدراسي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى فهم العوامل التي تجعل الشباب أكثر عرضة لهذه الظاهرة، والتمييز بين الاستخدام المرتفع الطبيعي والاعتماد المرضي، مع التأكيد على الدور المحوري للأسرة والمؤسسات التربوية في بناء وعي وقائي يحقق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وتجنب مخاطرها.

وبيّن بقوله: لا شك أن الوسائل التقنية الحديثة قد أصبحت ضرورة من الضروريات التي لا يمكن الاستغناء عنها في حياتنا اليومية. إلا أن هناك أمرا يجب الالتفات إليه وهو الاستخدام غير الواعي لهذه الوسائل التقنية التي قد تؤدي إلى آثار سلبية على من يستخدمها بشكل غير منظم. ويمكن ملاحظة هذا الأمر عند الأعمار؛ فتؤدي في كثير من الأحيان للعزلة الاجتماعية والتشتت الذهني ويصبح الطفل عدوانيًّا عند أخذ هذه الوسائل منه. وقد يؤدي الفراغ إلى اللجوء لمثل هذه الوسائل وإيجاد الأشخاص الوهميين خصوصا في الألعاب الجماعية. وقد يلجأ الطفل أو الشاب لمثل هذه الوسائل، هربًا من واقع غير جيد يعيشه بسبب الأسرة.

ووضح أنه يمكن التمييز بين الاستخدام المكثف للوسائط الرقمية وبين الاعتماد المرضي عليها من خلال مجموعة من المعايير التي يحددها المستخدم نفسه، إذ إن الأمر يرتبط أساسًا بطبيعة الاستخدام. فعلى سبيل المثال، قد يقضي شخص أكثر من خمس ساعات متواصلة في استخدام الوسائل التقنية لإنجاز مهامه الوظيفية، بينما يقضي آخر المدة نفسها في ممارسة الألعاب الإلكترونية. وعلى الرغم من اختلاف الهدف، فإن كلا الحالتين قد يترتب عليهما تأثير جسدي أو ذهني. ومن هنا تبرز أهمية المتابعة وتنظيم الأمر بحيث يصبح جزءًا من جدول الأعمال اليومي بشكل متوازن.

وأضاف: أما بالنسبة لمتابعة الأسرة والمؤسسات التربوية فدورهم كبير جدًّا. قبل السماح للأبناء باستخدام هذه الوسائل، يجب أن تكون هناك مجموعة من النقاط التي من المهم أن يتم الاتفاق عليها بينهم وبين الوالدين. وأول ما يتم الاتفاق عليه، هو المدة الزمنية للاستخدام، مع مراعاة أفضل الممارسات وعدم الاندماج بشكل كبير في الألعاب الإلكترونية لساعات طويلة. وإيجاد بيئة مناسبة في المنزل مع توفير البدائل الأخرى غير التقنية التي تملأ فراغ الأبناء وتجنبهم الوقوع في الإدمان الرقمي.

وفي الحديث عن الصحة النفسية المرتبطة بالسوشيال ميديا ترى الدكتورة عبير بنت عبد الله المجيني، أخصائية صحة نفسية للأطفال واليافعين، أن الخوارزميات لها دور مهم في تضخيم أثر المقارنات الاجتماعية على الصحة النفسية للشباب، وهو جانب يستحق الفهم والتوعية، ففي الجلسات العلاجية يتم الحديث بشفافية عن كيفية تصميم وسائل التواصل الاجتماعي وبرمجتها عالميًّا، حيث من المهم أن يتم تثقيف الشباب بأن هذه القنوات لا تعرض المحتوى بشكل محايد، بل تدفع بالمحتوى الأكثر إثارة للانتباه والانفعال بهدف إبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة .وبالتالي، إذا تفاعل المستخدم مع منشورات المقارنة أو الجمال المثالي أو نمط الحياة الاستعراضي، فغالبًا ما سيصله المزيد من المحتوى نفسه. مما يوجد حلقة متواصلة تضخم الأثر النفسي ومع الوقت، قد يشعر الشاب أنه “محاصر” بصورة واحدة عن النجاح أو الجاذبية أو القبول، فيفقد الاتصال بمعاييره الشخصية الواقعية.

وفيما يختص بالعلاقة بين التعرض المكثف للمحتوى الرقمي وتقلبات المزاج والقلق ومدى إمكانية بناء وعي نقدي يخفف من هذه التأثيرات، وضحت المجينية، أن هذه العلاقة هي علاقة متعددة العوامل. فالمشكلة لا تكمن في كمية الوقت فقط، بل ترتبط أيضًا بنوع المحتوى، وطريقة الاستخدام، إضافة إلى الجوانب الجسدية المرتبطة به. فقد يستخدم الشاب المنصة للهروب من التوتر، لكن التعرض لمحتوى مستفز أو سلبي يعيده بقلق أعلى من البداية. كذلك، السهر الرقمي، وتشتت الانتباه، وقطع النوم، كلها عوامل تزيد التهيج الانفعالي وتضعف القدرة على تنظيم المشاعر. لذلك نرى تقلبًا أسرع في المزاج، وانخفاضًا في التحمل النفسي، وصعوبة في التركيز الدراسي.

وأشارت إلى أنه يمكن بناء وعي نقدي لدى الشباب يقلل من هذه التأثيرات بشكل واضح. يبدأ ذلك بتعليم الشباب التمييز بين “المحتوى المصنوع” و“الحياة الحقيقية”، إضافة إلى تدريبهم على ملاحظة أثر التصفح على حالتهم النفسية والجسدية بعد كل جلسة. كما يفيد تنظيم الاستخدام عبر تحديد أوقات محددة، والتوقف عن التصفح قبل النوم، وإعادة تشكيل التجربة الرقمية من خلال إلغاء متابعة الحسابات المستنزفة وزيادة المحتوى الواقعي والتعليمي. والأهم هو تحويل مركز القيمة من الخارج إلى الداخل، أي التركيز على المهارة والجهد والمعنى والعلاقات الداعمة. فعندما يتعلم الشاب هذا التحول، لا تختفي المقارنات تمامًا، لكنها تفقد قدرتها على السيطرة عليه أو زعزعة توازنه.

وأضافت: للأسرة والمؤسسات التربوية دورٌ محوريٌّ تؤثر المقارنات الاجتماعية المستمرة عبر وسائل التواصل تأثيرًا في تقدير الذات والصحة النفسية لدى الشباب، لأن هذه المقارنات لا تحدث في فراغ، بل ضمن بيئة رقمية تعرض نسخًا مُنتقاة ومُحرّرة من حياة الآخرين. الشاب لا يقارن "حقيقته الكاملة" إلا بـ"لقطات مثالية" للآخرين، فينتج عن ذلك شعور بالنقص، وتراجع الرضا عن الذات، وارتفاع الحساسية تجاه المظهر والإنجاز والمكانة الاجتماعية. ومع التكرار اليومي، قد يتحول هذا الشعور إلى نمط تفكير أو معتقد دائم يؤثر على المشاعر وتبدأ الذات بالاهتزاز، وتزداد قابلية الشباب لمشاعر القلق، والمزاج المنخفض، والانسحاب الاجتماعي.