يتنقّل مقترح وقف إطلاق النار الآن بين عدة عواصم في الإقليم، فيما تظل المهلة التي لوّح بها الرئيس الأمريكي ترامب مخيّمة على المنطقة بثقل إنذار «إمبراطوري». وتتحدث التقارير عن خطة من مرحلتين: وقف فوري للأعمال القتالية، قد يمتد إلى 45 يوما، تعقبه مفاوضات أوسع حول شروط تسوية دائمة.

يأتي ذلك في لحظة هدد فيها ترامب باستهداف الجسور ومحطات الطاقة الإيرانية إذا لم تستجب طهران لمطلبه بإعادة فتح مضيق هرمز. هذا التوازي وحده يفضح طبيعة اللحظة؛ دبلوماسية تتحرك تحت ظل تهديد يطال البنية التي تقوم عليها حياة المدنيين.

الأمر يتجاوز كثيرا حسابات النصر والخسارة في هذه الحرب إلى سؤال كبير مطروح أمام العالم يتعلق بالشروط التي يُصنع عليها السلام. ويتعلق بطبيعة النظام الدولي الذي يبقى قائما بعد أن تصمت المدافع. إن وقف إطلاق نار يُنتزع تحت التهديد بضرب البنية التحتية المدنية ينطوي على تناقض قاتل منذ لحظته الأولى. قد يخفف ذلك ضجيج المعركة لأسابيع قليلة، لكنه يترك مبدأ أن القوة الأعظم تستطيع أن تفرض شروطها بالخوف قائما، وأن تتعامل مع الأسس اليومية للحياة الاجتماعية بوصفها أوراق ضغط.

وهذا مبدأ لا يمكن للعالم أن يحتمله؛ فهو ينسف القانون ويفسد مسارات الدبلوماسية ويخفض السقف الذي بات العالم مستعدا لقبوله من أولئك الذين يزعمون قيادته. فالجسور وشبكات الكهرباء والموانئ وأنظمة المياه وشبكات النقل، ليست مجرد منشآت صامتة في جغرافيا الحرب، إنها البنية المادية التي تقوم عليها الحياة المدنية. واستهدافها أو التهديد بتدميرها، سواء صدر عن أمريكا وإسرائيل أم عن إيران، هو تهديد مباشر بحياة الناس واستقرارهم. وهنا تنحدر الحرب إلى مستوى معاقبة المجتمع نفسه.

تحتاج اللحظة الراهنة في المنطقة إلى ما هو أرسخ من هدنة عاجلة تصوغها التهديدات والضغوط والمخاوف، فأي مشروع جاد لوقف إطلاق النار ينبغي أن يبدأ بتعهد واضح ومعلن من جميع الأطراف بإخراج البنية التحتية المدنية من مجال الإكراه. لا يجوز أن تُهدّد محطات الطاقة بالنسف ضمن سيناريوهات الضغط والإكراه. ولا يجوز للجسور أن تُدرج في رسائل الردع العسكري.

تستحق الأنظمة المدنية أن تُرفَع من سوق التهديدات. ويزداد الأمر خطورة حين يصدر هذا الخطاب عن دولة ما تزال تقدّم نفسها بوصفها راعية للنظام الدولي القائم على القواعد. وهذه الخطوة لا تتحقق بتخفيف اللغة وحدها، بل بإعادة الاعتبار إلى المعايير السياسية والأخلاقية التي يفترض أن تضبط سلوك الدول.

وفي المقابل يجب أن يخرج مضيق هرمز من منطق الإنذار، وأن توضع الملاحة فيه داخل إطار جماعي يستند إلى شرعية دولية، وتدعمه وساطات إقليمية، وتضبطه التزامات متبادلة واضحة. وقد كشفت الحرب الحالية بالقدر الكافي السرعة التي يتحول بها صراع محلي إلى اضطراب عالمي ترتفع معه كلفة العيش على امتداد العالم.

إن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يُفهم من الأطراف كلها بوصفه بداية لا نهاية. فالتسوية المستدامة تحتاج إلى مفاوضات منظمة حول أمن الإقليم كله، وإلى معالجة ملفات العقوبات والقيود النووية والضمانات الأمنية. كلها ملفات صعبة، لكن صعوبتها لا تمنح القوة المجرّدة حق وضع القواعد التي تُدار بها المحادثة. وأي سلام يقوم على التهديد يفتح الطريق إلى انتكاسة جديدة، أما السلام المستند إلى القانون فله فرصة حقيقية في البقاء والثبات.

وهذه هي الحقيقة الأوسع التي تواجه المجتمع الدولي الآن. لقد عاش العالم طويلا تحت مشهد القوة المجرّدة وهي تتكلم كما لو كانت بديلا عن العقل العام. ولم يُلحق هذا المشهد الضرر بالمؤسسات وحدها، بل أصاب الخيال السياسي نفسه بالعطب. والإنسانية تستحق نظاما أفضل من عالم يختزل فيه مصير المجتمعات كلها في المهلة التي يفرضها الرجل الأقوى في الغرفة.

يبدأ وقف إطلاق النار الحقيقي حين يستعيد القانون صوته، وحين تُنتزع الحياة المدنية من معجم الترهيب، وحين تتحرر الدبلوماسية من ظل التهديد. هذا هو الحد الأدنى الذي تفرضه هذه اللحظة، وهذا هو الحد الأدنى الذي يحتاجه أي مستقبل جدير بأن يُعاش.