الجزائر "العُمانية": يُعدُّ الموقع والمتحف الأثري "هيبون"؛ وهو الاسم القديم لمدينة عنابة في شرق الجزائر، من أهمّ المواقع الأثرية التي تضمُّ الكثير من القطع واللُّقى الأثرية ذات القيمة التاريخيّة العالية.
ونظرًا لأهميّة الموقع الأثري تمّ الانتهاء من أشغال التهيئة والدراسة التي شملت فضاءاته المختلفة، تمهيدًا لشُروع الهيئات المعنيّة في إعداد ملف تقني متكامل لتسجيل الموقع الأثري "هيبون" ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، وذلك كجزء أساسي من "المسارات الأغسطينية" العريقة.
وتبرز زيارة المتاحف كواحدة من أهمّ الروافد السياحية التي تجعل من عنابة مدينة تُقرأ كما تُزار؛ ففي شوارعها ومعالمها وفي تلالها التي تخفي بين طيّاتها آثار مدن قديمة، يجد الزائر نفسه أمام تاريخ حيّ، لم يُختزل في الكتب بل ما يزال حاضرًا في الحجر وفي النقوش وفي الشواهد الأثرية التي صمدت أمام الزمن، ومن بين هذه الشواهد يأتي "متحف هيبون الأثري" كأحد أبرز المعالم التي تختصر تاريخ عنابة، وتُجسّد ذاكرتها الحضارية في فضاء واحد.
ويقع متحف هيبون، في الموقع الأثري لمدينة "هيبون ريجيوس" القديمة، تلك المدينة التي شكّلت في زمنها أحد أهمّ المراكز السياسية والدينية والثقافية في شمال أفريقيا، وكانت شاهدة على ازدهار حضاري بوسط المدينة، وجاء اختيار موقع المتحف ليؤكد على العلاقة المشتركة بين المكان والتاريخ، فزيارة المتحف لا تنفصل عن زيارة المدينة الأثرية نفسها، ولا عن الإحساس بأنّ هذه الأرض عرفت حياة نابضة قبل قرون طويلة.
وتأسّس متحف هيبون في منتصف القرن العشرين، في سياق الاهتمام بالمكتشفات الأثرية التي كشفت عنها الحفريات المتواصلة في المنطقة، ثم فُتح للجمهور ليكون فضاءً لحفظ وعرض التراث المادي لمدينة هيبون ومحيطها، ومع مرور السنوات لم يفقد المتحف دوره بل تعزّزت مكانته كمؤسسة ثقافية تؤدّي وظيفة مزدوجة، تتمثل في الحفظ من جهة، وفي التعريف والترويج من جهة أخرى، وحين يتجوّل الزائر داخل المتحف، يكتشف أنّ القطع المعروضة لا تنتمي إلى فترة واحدة، بل تعكس تعاقب حضارات تركت بصماتها على المدينة، وهو ما يمنح المتحف ثراءً خاصًّا ويجعله أشبه بكتاب مفتوح، صفحاته من حجر ورخام وفسيفساء.
ومن أبرز القطع الأثرية التي يضمُّها موقع ومتحف "هيبون" قطعة "الغورغون" وتمثال النّصر الفريد. ومن أكثر ما يلفت الانتباه داخل المتحف تلك الفسيفساء الرومانية التي تُعدُّ من أروع ما أُنتج في هذا الفن خلال العصور القديمة؛ فهي ليست مجرّد زخارف جميلة، بل مشاهد نابضة بالحياة.
وإلى جانب الفسيفساء تشكّل التماثيل والمنحوتات مكانة خاصّة داخل المتحف، حيث تقف شاهدة على تطوُّر الفن والنحت في العهد الروماني، وعلى المكانة التي كان يشكّلها الجسد والرمز والشخصية في المخيال القديم، هذه القطع هي مفاتيح لفهم البنية الاجتماعية والسياسية لتلك المرحلة، وما كانت تعكسه من قيم.
ويظلُّ متحف هيبون شاهدًا حيًّا على أنّ السياحة معرفة، وانتماء، وحوار صامت بين الإنسان والزمن، وهو دعوة مفتوحة لكلّ من يزور عنابة، لأن يجعل من التاريخ رفيق رحلته، ومن المتحف بوابة لاكتشاف مدينة لا تزال تحتفظ بروحها رغم تعاقب الزمن.