بإغلاق مضيق هرمز وجّهت إيران للعالم رسالة سياسية أرادت من خلالها تأكيد قدرتها على تعطيل شريان الطاقة العالمي متى شاءت طالما أنها تتعرّض لعدوان غاشم وغير مبرَّر، ممّا أحدث ارتباكًا فوريًّا في الأسواق الدولية، ورفع أسعار النفط والغاز، وجعل البعض يجن جنونهم؛ حيث هدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران أنه «إذا لم يتم فتح مضيق هرمز فورًا للعمل فسنُنهي «إقامتنا» اللطيفة في إيران عبر تفجير وتدمير جميع محطات توليد الكهرباء وآبار النفط وجزيرة خرج، وربما جميع محطات تحلية المياه التي تعمّدنا حتى الآن عدم المساس بها».
ولأنّ تصريحات الرئيس ترامب عادةً تكون متناقضة في اليوم الواحد؛ إذ يصرح بشيء وبعد قليل بنقيضه، فلا يؤبه بما يقول، ومن ذلك -مثلًا- ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أمريكيين أنّ إدارة ترامب ترى أنّ العمل على إعادة فتح مضيق هرمز قد يطيل أمد الحرب ستة أسابيع أخرى، وأنّ الرئيس أبلغ مساعديه أنه مستعدٌ لوقف الحرب على إيران حتى لو ظلّ مضيق هرمز مغلقًا! وعند نشر مقالي هذا ربما تكون هناك تصريحات أخرى له مناقضة لهذا التصريح.
لا بد من الإشارة هنا إلى أنّ إيران لم تعرقل طوال السنوات الماضية حركة السفن في المضيق، خاصةً أنّ نفطها نفسه يمرّ عبره يوميًّا، ولكن خطوة الإغلاق جاءت ضمن الدفاع المشروع عن النفس -كما يقول مسؤولوها- وهو ما يفسر استخدامها للمضيق كورقة ضغط. وشخصيًّا أرى أنّ من حقّ إيران أن تدافع عن نفسها بكلِّ الطرق والوسائل ما دامت هي المعتدى عليها.
في مواجهة هذا الإغلاق طرح البعضُ فكرة إنشاء تحالف دولي لحماية المضيق وضمان أمن الملاحة فيه، والهدفُ المعلن هو إبعاد إيران عن المضيق، ومنعها من استخدامه كورقة ضغط، لكن هذه الفكرة تحمل في طياتها خطرًا أكبر؛ إذ تُحوّل المضيق إلى ساحة وصاية دولية، فتصبح القرارات المتعلقة به بيد قوى خارجية لا بيد الدول المطلة عليه، وهنا تكمن المشكلة: هل نواجه إيران بتحالف دولي، أم نتمسك بالسيادة، ونبحث عن حلول إقليمية تحفظ أمن المضيق دون أن نفتح الباب أمام نفوذ خارجي طويل الأمد؟!
لم تتعلم دول المنطقة من درس وجود القواعد الأجنبية فيها التي ظهر أنها (أي القواعد) بحاجة بنفسها إلى حماية، ولم تتعلم هذه الدول من دروس إقامة التحالفات والأحلاف؛ فقد دعمت التحالف الثلاثيني لتدمير العراق، وأسهمت في النيل من سوريا، وأنشأت تحالفًا لمحاربة اليمن، ثم ظهر من يبكي على ضياع العراق، وأنه محكوم من قبل إيران! هؤلاء أنفسهم من يتحمس الآن لإنشاء تحالف كهذا بما يهدد المنطقة مستقبلًا.
ولا يمكن الحديث عن مضيق هرمز دون استحضار رؤية السلطان قابوس – طيب الله ثراه – الذي أكد في خطابه يوم الثامن عشر من نوفمبر عام ١٩٧٩: «أنّ مضيق هرمز جزء من مياهنا الإقليمية، وأنّ الدفاع عن حق جميع السفن المسالمة بالمرور عبره واجب قانوني وإنساني». وأعلنها صريحةً: «إذا تعرّض المضيق للخطر فإننا في عُمان لن نتردد في الدفاع عن سيادتنا الوطنية وسلامة الملاحة الدولية».
لقد شدّد السلطان الراحل في خطابه على أنّ عُمان لا تطالب بتدخل القوات الأجنبية، بل «تستطيع القيام بالإجراءات اللازمة شريطة أن تتوفر الوسائل الضرورية لذلك».
وهذا الموقف التاريخي يوضح أنّ رفض الوصاية الدولية حق مشروع، وأنّ باستطاعة الدول المطلة عليه أن تحميه من كلِّ الأخطار، وأنّ التعاون الإقليمي هو الطريق الأمثل لضمان الأمن والاستقرار، وليس عن طريق تشكيل تحالفات على حساب السيادة والوطنية ومستقبل الأجيال. وفي تصوري أنّ هذه الكلمات يجب أن تكون البوصلة اليوم؛ فالمضيق هو رمز للسيادة، وأيُّ تفريط فيه يعني فتح الباب أمام أطماع لا تنتهي.
لقد تابعنا في الآونة الأخيرة تغريدات يحاول أصحابُها توظيف فكرة إنشاء تحالف دولي لحماية المضيق، فاندفعوا إلى ركوب الموجة لأغراض لا تخفى على اللبيب، حتى وصل الأمر إلى «تغيير اسم المضيق»؛ غير أنّ ما قاله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني كاف في الرد على هؤلاء؛ إذ أعلن أنّ ترتيبات أمن وملاحة مضيق هرمز بعد الحرب هي مسؤولية مشتركة بين إيران وسلطنة عُمان باعتبارهما الدولتين الساحليتين المطلتين على المضيق.
ما قاله عراقجي يتوافق مع القانون الدولي للبحار الذي ينصّ على حرية الملاحة في المضائق الدولية، لكن تطبيق هذا المبدأ يجب أن يتم عبر الدول المطلة، لا عبر تحالفات خارجية تفرض وصايتها؛ لذا فإنّ إدخال أطراف دولية تحت شعار الحماية -وهي أساسًا الأطراف المعتدية - يضعف من قدرة الدول المطلة على إدارة المضيق بنفسها، ويحوّله إلى نقطة مواجهة بين القوى الكبرى.
ما يبعث على الأسف أنني لمستُ لدى المواطنين العاديين وعيًا أرقى بكثير من وعي بعض الأنظمة التي ارتهنت في قرارها السياسي ومصيرها للقوى الأجنبية، واستمدت الشرعية من القواعد العسكرية والتحالفات المؤقتة، فماذا لو كان هناك تعاون بين دول الخليج وإيران في المجالات كافة، ومن ذلك مسؤولية حماية المضيق؟ ألن يغني المنطقة عن الحاجة إلى تدخل خارجي تتحمس له بعض الدول الخليجية، والذي قد يتحول إلى وصاية دائمة؟ ثم من كان يحمي المضيق أساسًا؟! وهل تحركت إيران بأساطيلها لمهاجمة أمريكا أو الكيان الصهيوني؟! لم تسجل حوادث في مضيق هرمز رغم الأحداث الجسيمة التي مرّت بها المنطقة، منها الحرب العراقية الإيرانية على مدى ثماني سنوات، ومنها احتلال العراق للكويت، والاحتلال الأمريكي للعراق، فالأمور كانت طبيعية، ولم تعتد إيران على أحد.
يبدو أنّ قضية هرمز أصبحت جزءًا من صراع أوسع على النفوذ في المنطقة؛ فالقوى الكبرى تسعى إلى إيجاد موطئ قدم في الممرات الحيوية، وبعض القوى المحلية ترى أنّ الفرصة الآن مواتية، والمضيق بالنسبة لها - في الظروف الحالية - فرصة استراتيجية لتحقيق مآربها. لكن تجربة التاريخ تؤكد أنّ أيّ تدخل خارجي يبدأ تحت شعار الحماية سرعان ما يتحول إلى نفوذ طويل الأمد يصعب التخلص منه. لذلك فإنّ التمسك بالسيادة اليوم هو استثمار في المستقبل، وضمان ألا يتحول المضيق إلى أداة في يد القوى الكبرى.
المطلوب أن ندرك جميعًا أنّ حماية المضيق مسؤوليتنا نحن، لا الآخرين. فهرمز أمانة، وأيُّ وصاية خارجية عليه ستكون بداية نفوذ جديد يهدد سيادتنا ومستقبلنا، ولن يكون حماية بأيِّ حال من الأحوال.
إنّ كلمات السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ قبل أكثر من أربعة عقود ما زالت صالحة اليوم: السيادة مسؤولية. وإذا كان العالم كله يستفيد من المضيق فإنّ مسؤولية حمايته تقع أولًا على عاتقنا نحن أبناء المنطقة، خاصة الدول المطلة عليه عُمان وإيران قبل الأشقاء الآخرين.
لسنا بحاجة إلى تحالف دولي يزيد التوتر، لكننا بحاجة إلى تعاون إقليمي حقيقي - بعيدًا عن كلِّ الأطماع - يضمن حرية الملاحة، ويحافظ على السيادة الوطنية.
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.