طرحت عليّ فتاة في إحدى الفعاليات سؤالا لامسني قائلة: «أنا أعمل في مجال إبداعي، لكنني أحيانا أفقد الشغف ويعجز عقلي عن الإتيان بأي فكرة». بادرت الحاضرات بالرد على الفتاة حول أهمية الشغف وكيفية استعادته وهي في الواقع نصائح قيمة. لكن شخصيا كلمة «شغف» أصبحت تستفزني؛ لأنني اكتشفت من خلال عملي مع الشباب أنها سبب لكثير من الألم والإحباط، خاصة للمبدعين ورواد الأعمال كونها تسبب ضغطا وتوقعات أراها أحيانا غير واقعية، لا أحد يحب شيئا دائما، ولا أحد يفعل ما يريد دائما، وأحيانا علينا التوقف عن المحاولة؛ لذا كانت إجابتي: «إذن.. توقفي عن العمل حينها». لا تجبري نفسكِ، فأحيانا كثيرة تصبح كتابة هذا المقال الأسبوعي بالنسبة لي أشبه بولادة متعسرة، وأحيانا أجد فيضا من الأفكار يتدفق مثل السيل؛ لهذا تعودت أن أكتب وأكتب في مثل هذه الحالات، فيصبح لدي دائما مخزون في الأيام (العجاف) من مسودات مقالات تحتاج فقط للتنقيح. 

الأعمال الإبداعية منشأها الإلهام، ومن الصعب جدا استدعاء هذا الإلهام قسرا. فنحن لسنا آلات نضغط على زر «الإبداع» لنحصل على فكرة مدهشة بين السابعة صباحا والثانية مساء. الإبداع حالة ذهنية تتنفس بالحرية، وعندما نحبسها في قفص «الالتزام بالشغف الدائم»، تخنقها التوقعات وتموت الفكرة في مهدها، أمر علي الاعتراف بأنني قد تعلمته متأخرا. 

ما تعلمناه على يد الآباء، ولا تقوله لنا كتب التنمية الذاتية، هو أن الإبداع له دورات موسمية؛ هناك وقت للزرع، ووقت للحصاد، وهناك وقت للأرض لكي ترتاح وتستعيد عافيتها. «الأيام العجاف» ليست دليلا على فشلك أو نضوب موهبتك، بل هي دعوة من عقلكِ ليأخذ هدنة من ضجيج التفكير. الحل بالتالي ليس في مطاردة الشغف الضائع، بل في بناء «نظام» يحمينا من تقلبات المزاج الإبداعي. ففي لحظات «الفيض»، علينا أن نكون مزارعين أذكياء، نجمع المحصول ونخزنه في أرشيفاتنا، لنواجه به جفاف اللحظات التي يغيب فيها الوحي. 

لذا توقف عن الشعور بالذنب إذا جفت الأفكار، فالمبدع الحقيقي هو من يتقن فن «الانتظار النشط»؛ ينتظر الفكرة دون أن يجلد ذاته، ويمارس «اللاعمل» ليسمح لعقله الباطن أن يطبخ الحلول على نار هادئة. الإبداع لا يحتاج إلى «شغف» ملتهب طوال الوقت، بل يحتاج إلى صبر طويل، وفهم عميق لطبيعة النفس البشرية التي لا تُعطي أجمل ما عندها تحت التهديد. سبحان بديع السماوات والأرض. 

حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية