خمسُ مكالمات متتالية، لم أتمكن من الرد عليها، وفي السادسة جاء صوته غاضبًا، محبطًا: «سرقتني بنت... الله يصرفها قليلة الأدب، وهربت بلاد حِيانها». 

فتح جواله والدموع تكاد تطفر من عينيه. أمرني: «قرا»، كانت رسالة واتس آب كُتب فيها: «أنا ف بلادي، طلقني، ولا تحاول تجي وراي، ولا تطالبني بأي شيء، لأن كل حاجة رسمية، وثقناها أنا ونته في الكاتب بالعدل». 

آثرتُ حينها تهدئة الجار، الذي جاوز عُمره الـ56 عامًا، قلت له كاذبًا إنه يمكن استرجاع منزله، الذي كتبه مختارًا باسم زوجته غير العُمانية، التي هربت عائدة إلى بلادها في شمال غرب إفريقيا، يمكنه ذلك إن تمكن من العثور على مُحامٍ «شاطر»، أو كان يحتكم على مُراسلات تثبت أنه غُرّر به. 

قال الرجل إنه وبعد عودته من رحلة قضاها بولاية بدية، وجد قُفل باب منزله في «الغُبرة» قد تم تغييره، وهو يعيش الآن في غرفة استأجرها بأحد سطوح العمارات القريبة من البيت، حتى يجد مخرجًا لمشكلة لم تكن في الحسبان. 

اعترف وألمٌ شديدٌ يحزُّ قلبه: «كنت أنعم بالمحبة وسط أسرة متفاهمة، زوجة مخلصة وأبناء بررة، لم نكن نبحث عن السعادة، لأنها كانت تعيش بيننا، صحيح أننا لم نكن أغنياء، لكننا لسنا بفقراء. مرات نتعشى في مطعم غالي شوية، ومرات بخبز وجبن وبطاطس عُمان، ونحس إنا أسعد أسرة ف الدنيا». 

الآن أكتشفُ أنني لم أكن سوى رجل كبير في السن بعقل صغير، كيف صدّقت أن فتاة لمّا تبلغ بعد الـ20 عامًا تُحب رجلًا ستينيًا مثلي؟ أي شيطان وسوس لي بكتابة المنزل الذي خرجتُ به من الدنيا، بعد 35 عامًا من العمل والجهد لها وهي أصغر سنًا من ابني الثاني؟ كيف سأطلب من أسرة أحبتني أن تغفر لي عقوقي وإسكانها في شقة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 85 مترًا، وظلت تكابد الأمرّين لتحيا بكرامة؟ 

لم أكن أملك القُدرة حينها على طرح أي سؤال على رجل مكسور مثله، فهو ليس الأول الذي تُغرّرُ به فتاة تعرّف عليها في مقهى أو ملهى أو صالة رياضية أو مطعم، ولن يكون الأخير الذي يُصدّق أنه مازال مرغوبًا، ثم يتم ابتزازه بسبب ماله أو منصبه أو مكانته الاجتماعية أو حماقته. 

قاطعته مداعبًا ومن باب محاولة إزالة الكدر الذي علِق بروحه، والإحباط الذي لوّث جمال سريرته: «نوبه نتوه ما صدقتوا يفتحوا لكم باب الزواج من الخارج، طلقتوا حريمكم وعقيتوا بولادكم، وشتتوا أسركم، وركضتوا تتزوجوا من برا، بعد ما سويتوا صداع للحكومة». 

علّق وقد هدأت نفسه: «كلامك صحيح، لكن يوم يفوت الفوت ما ينفع الصوت». 

طلبت منه أن يسمح لي بالاتصال بابنه الأكبر فأذِن، وفي أقل من دقيقة تخلى الابن عن تصلبه القديم إزاء والده، بسبب صدمة طلاق والدته وشتات الأسرة، طلب مني إرسال موقع وجودنا وهو يردد: «بو يسويه يظل والدنا، وما نلقى منه بِد، تو عاد نطلق له؟».