أكملت الحرب شهرها الأول، فهل يمكننا الآن أن نحاول رسم لوحة عامة لهذه الحرب مع ما يكتنف ذلك من صعوبة بسبب الرسائل المتضاربة التي لا تتوقف، خاصة تلك التي يصدّرها المعسكر الأمريكي الإسرائيلي؟ فهي رسائل وتصريحات وأفعال وضربات تحاول باستمرار التشويش على محاولتنا تلك وإفشالها. 

لكن علينا أن ندرك أن هذه الرسائل المتضاربة المستمرة هي جزء من استراتيجية الحروب الجديدة. هي نفسها الاستراتيجية التي كانت إدارة بوش الابن استخدمتها جزئيًا من قبل في حرب العراق. هدف كل هذه الرسائل الواضح هو شلّ القدرة على الاستيعاب والفهم؛ وبالتالي تعطيل ردة الفعل، ونشر المزيد من الرعب والخوف وصولًا إلى الاستسلام التام. 

تعود هذه الاستراتيجية إلى حقبة «الحرب على الإرهاب» كما أطلقت عليها الإدارة الأمريكية في العقد الأول من هذا القرن، وهي استراتيجية تبنت الإرهاب، وجعلته منهجًا وسلاحًا فعالًا؛ بالتالي لا يعرف الخصم من أين ستأتيه الضربة ولا بأي وسيلة، وذلك ما يثير الاضطراب في وسط الناس كذلك؛ حتى لا يمكنهم اتخاذ موقف محدد. 

كل الرسائل متضاربة، والغاية المزيد من إثارة الفوضى والتشويش من أجل المزيد من السيطرة والتحكم. بالتالي لا تدرك الأطراف موقفها الفعلي الواضح، ولا أين عليها أن تنحاز، وهكذا يزداد الخوف، والخوف هو السلاح المستخدم لشل التفكير وبالتالي شل الحركة. 

هكذا تصبح التصريحات المتضاربة مفهومة؛ فقصد الرئيس الأمريكي من كل تصريحاته المتضاربة هو مواصلة هذه الاستراتيجية مع أن الأمر في أساسه واضح؛ فهذه حرب تحاول أمريكا وإسرائيل بها تدمير الدولة الإيرانية بشكل كامل. 

فلطالما اعتبرت الدوائر السياسية الغربية اليمينية نظام إيران الحالي بوصفه نظامًا مخالفًا ومارقًا، وما صفة الإرهاب الملصقة بالنظام الإيراني والبارزة في هذه الحرب غير إشارة إلى أدوار إيران في دعم حركات المقاومة ضد إسرائيل. 

هناك خط واضح في السياسة الأمريكية الحالية الإمبريالية الجديدة. إسرائيل تجسد الهيمنة الأمريكية في الشرق؛ وبالتالي كل ما يعارضها هو تهديد للهيمنة الأمريكية، وهذا خطاب المحافظين الجدد، والذين ليسوا في المحصلة غير بقايا أيديولوجية وجدت لها معتقدات ومعتنقات جديدة لتدخل بها هذا العصر فيما يفترض أنها انقرضت. 

سمات تلك الأيديولوجية باختصار هي عبادة القوة: الدين بوصفه قوة أيدلوجية، والمال بوصفه قوة اقتصادية. وكل ذلك يمارس بتشدد وتطرف يصل حد العنف، والآن تظهر سماته العنيفة في كل السياسات المتبعة، وفي منهجية هذه الحرب، ومن قبلها إبادة غزة. 

إن القوة الساحقة والكاسحة وإثارة الرعب والصدمة والإرهاب كلها استراتيجيات تمارس بها هذه الحالة الغربية تجلياتها. وما ينتج من ذلك هو تصدير نسخ مشوهة عن النموذج الأمريكي عبر عصر الشركات الأمريكية والذي لا ينتج عنه غير نفس الخراب الذي تشهده أمريكا: فقر وإنهاك واستغلال جشع لكل من على هذه الأرض؛ من أجل ثراء أقلية حاكمة لا تتجاوز نسبتها ١٪ من مجموع سكان العالم. 

هؤلاء هم من ينهضون اليوم بهذه الحرب ويشعلونها في العالم، والغاية من وراء ذلك هي استباحة الشرق بأكمله، والاستفراد بالقوة العسكرية فيه لصالح إسرائيل وأمريكا، ومن ثم جني الأرباح المنتظرة من وراء تحويل الشرق إلى استثمارات خاصة، حتى لو كان ذلك يعني الخراب والفوضى الداخلية، بل بالعكس المطلوب المزيد من هذا الخراب والفوضى؛ لتسهيل جني الأرباح دون مساءلة قانونية، ودون وجود حكومات قوية أو نظام محاسبة أو عدالة، وإشغال القوى الداخلية بالاحتراب الداخلي فيما بينها على السلطة والفتات المتبقي في حين تذهب معظم الأرباح إلى جيوب ال١٪، والتي تتكون في معظمها من المحافظين الجدد هؤلاء الذين يمثل مصالحهم ترامب. 

هذا هو باختصار الشرق الأوسط الجديد الذي يبشرون به، وهو نسخة مما وقع للعراق من قبل، والمراد في المجمل تشكيلة من الأنظمة الشرقية الضعيفة الخاضعة الخانعة، وبعض النخب المحلية التي تتولى الحفاظ على مصالح الهيمنة؛ وبالتالي يجب أن يكون ولاؤها الكامل ليس لأمريكا أو للغرب أو لإسرائيل، بل لهذه الطغمة التي تسعى بشكل حثيث للسيطرة على مفاصل الاقتصاد العالمي عبر أمريكا، وهذا البعث معزز بأيديولوجيا دينية مسيحية يهودية تقع في قلب كل هذا المشروع، وهو المشروع الذي يرى في النظام الإيراني ومشروعه لتصدير الثورة عدوًا. 

بالنسبة للنظام الإيراني فإن المعركة لا شك معركة وجود، والتهديد لا يقتصر على شل القوة العسكرية أو التخلص من الصواريخ الباليستية، أو السلاح النووي المزعوم، بل يتجاوز ذلك إلى استباحة القوة الاقتصادية الإيرانية، أي نهب النفط والغاز الإيراني، وإخضاع السوق الإيراني لتحكم الشركات الأمريكية. وإذا كان ذلك يخلق فوضى شاملة فلا بأس، يمكن تطبيق النظام الأمريكي للمناطق «الخضراء» المناطق المطوقة بالحماية الأمنية المشددة، وهي مناطق معزولة عن بقية البلاد التي ترتع فيها الفوضى وانعدام الأمن، أما المناطق المحمية فهي متاحة للأثرياء فقط. 

بشكل عام كل هذا المشروع هو مشروع لتحويل العالم إلى عالم للأثرياء فحسب، على ما في ذلك من أحادية النظرة والسطحية والغباء، لكن لأن القائمين على هذا المشروع مصابون فكريًا بعمى الألوان، لا وجود في إدراكهم إلا للونين أو ثلاثة ألوان هي الأسود والأبيض والرمادي؛ وبالتالي ينقسم العالم في مفهومهم إلى صنفين مع وضد ومتردد، ومهمتهم المزعومة هي هزيمة الضد بشكل ساحق وإخضاع المتردد لهم، بالقوة وليس بأي وسيلة أخرى، فلا وقت لديهم للإقناع. 

إنها صيغة للاستفادة القصوى من الفوضى، ومن إسقاط الأنظمة، بل من تحويل كل ذلك إلى مشاريع استثمارية مربحة، وفي هذه الصيغة كل العالم مستباح ويمكن الاستحواذ عليه وخصخصته بالقوة العسكرية والاقتصادية، وهذا المشروع لا يستثني منطقة ما من العالم، بل بالعكس يسعى للمناطق التي تبدو مربحة أكثر، والشهية مفتوحة كلما تعاظمت الأرباح، وإذا كانت هناك منطقة تثير وتغري هذه الشهية بقوة؛ فهي ليست أكثر من البلدان الغنية بالنفط من العراق إلى ليبيا وإيران والجزيرة العربية. 

إن الخطر الذي نشأ مع سقوط العراق ما يزال قائمًا، وما الحرب الإيرانية القائمة إلا فصل آخر من فصول ما بعد سقوط العراق، فصل جديد لن يتوقف عند الحدود الإيرانية، بل يراد له أن يواصل تقدمه حتى يلتهم كل الثروات الوطنية والقومية، وبالعكس يرى القائمون عليه أن الاستقرار والأمن والرخاء والثراء يجب احتكاره لصالح فريق واحد فحسب هو الفريق الأكثر قوة، من يمتلكون ملاعب غولف ومنتجعات خاصة، والذي تجسده نفس النسبة، وباختصار يجسده من يتحكمون بأمريكا بما أن أمريكا هي القوة العظمى. 

يبدو فعلًا أن ترامب يريد أن يدخل التاريخ، ويبدو أن هذه الحرب تبدو له وسيلة مضمونة لإرضاء غروره وتحقيق هدفه، فهو يشبه نفسه بالإسكندر، ويرى في نفسه نابليونًا جديدًا معاصرًا، أو نسخة محسّنة من هتلر لا تعادي اليهود، بل تحالفهم؛ وبالتالي يمكن لهذا الإسكندر أن يخضع العالم لحكمه، شرقًا وغربًا كذلك، وجنون العظمة هذا لا يبصر، ولا يريد أن يبصر، ما وقع لاحقًا من كوارث عالمية لكل مغامرات العظمة تلك. 

عودة لسؤال البداية لست متأكدًا إن كانت هذه المحاولة نجحت في رسم لوحة كاملة، أم كل ما حصلنا عليه هو اسكتشات وتخطيطات بقلم الرصاص؟