وأنا أستمع إلى حديث عميق لوضاح خنفر -المدير العام السابق لشبكة الجزيرة الإعلامية- يتناول فيه موضوع التكامل الإستراتيجي بين الدول في المنطقة؛ قلت في داخلي: ما أشبه اليوم بالأمس حين نسترجع ملفات التاريخ وشواهده منذ قرون ماضية يوم بدأ هجوم التتار على الأراضي الإسلامية، وبدأوا باجتياح دولة خوارزم، فاستباحوها، وقتلوا من فيها، ودمروها واحتلوها! وعندما وصل خبر سقوط خوارزم بأيدي التتار إلى بغداد في عهد العباسيين فرح بعضهم فرحًا شديدًا، وشمتوا، وعدّوا ذلك انتصارا تحقق وهزيمة نزلت بخصومهم رغم ما بينهم وبين أهل خوارزم من اشتراك في الدين وشيء من الثقافة. 

لكن الزمن لم يلبث طويلا؛ فبعد فترة قصيرة بدأت مرحلة أخرى تمثلت في هجوم التتار أنفسهم على بغداد نفسها -الشامتة بالأمس على هزيمة خوارزم على أيد التتار-، وإسقاطها وتدميرها، وسقوط الخلافة العباسية. 

ففي الوقت الذي كان فيه بعضهم شامتا بما جرى لبلاد خوارزم وأهلها اعتقادا منهم أن ذلك يحقق شفاء لغلٍّ دفين أو حقد مكتوم تجاه من يشاركونهم الدين وبعض الروابط الحضارية؛ جاءت الوقائع اللاحقة لتكشف أن الخطر حين يبدأ لا يقف عند حدود طرف واحد؛ فالعدوّ في أصله واحد، ومن لم يأتِ دوره اليوم فغدًا يأتي دوره. 

هذا ما نشهده اليوم أيضا؛ إذ تدفع العاطفة بعض الناس إلى الوقوع في فخ الغواية السياسية -بما فيهم بعض العرب- فيما يتعلق بالحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وحمل بعضهم الأمنيات الصريحة بإضعاف إيران، وتمنّي تغيير نظامها وإسقاطه، وعندما نعود إلى واقعية ما يحدث الآن سواء من تعاطف أو شماتة نراه محكومًا في كثير من الأحيان برواسب ثقافية وطائفية قديمة، وبعضها يتصل بمواقف عاطفية متراكمة، وبعضها يرتبط بخصومات سياسية قديمة لا يمكن إنكار وجودها، ولعل السلوك الإيراني ضد بعض دول الخليج ساهم في تأجيج هذه المشاعر السلبية والخصومة. 

غير أن متطلبات السياسة تتجدد، وتحتاج دائما إلى إعادة موازنة وإعادة ترتيب للأولويات؛ ولذلك يحتاج بعض العرب إلى تجاوز الخصومة السياسية المشحونة بالعاطفة، والمتصل بعضها بالطائفية والعرقية أحيانا، والتركيز على أولويات المستقبل القادم، الذي قد تكون خصوماته أطول زمنا وأشد خطرا حال أن هذه الخصومات لم تهدأ، ولم تجد سبلا إلى التلاشي، ولو بحالة التجميد السياسي الضروري. والمقصود هنا -بكل ما تعنيه الكلمة- أن إيران تبقى جارا قديما وباقيا لا يمكن تغييره؛ ومن ثم فإن العداوة معها ـ إن وُجدت عند بعض العرب ـ يمكن أن تكون مؤقتة وقابلة للحل، أما العداوة مع كيان غير منتمٍ للمنطقة مثل إسرائيل فهي عداوة ذات طبيعة مختلفة؛ لأنها ترتبط بمشروع صهيوني وجودي لا تقف فيه إلا بوضع أقدامها على معظم الجغرافيا العربية، حتى لو جرى احتواؤه مرحليا؛ فذلك جزء من الملاينة السياسية المؤقتة عند بعض العرب. 

من هنا يظهر التصور القائل إن إسرائيل جار مؤقت وعدو دائم، بينما إيران جار دائم وعدو مؤقت؛ أي إن الخلاف مع إيران -مهما بلغ- لا ينبغي أن يقود إلى استنتاجات تلغي إمكانات التفاهم مستقبلا، أو تمنع تجاوز الخلافات حين تفرض المصالح الكبرى ذلك. 

لتجاوز الخلاف مع إيران وتبيان ضرورة تفعيل العقلانية السياسية نحتاج إلى توضيح بعض من الخيوط في هذه الحرب الغاشمة التي بدأت تنكشف، وبدأت حقائق عديدة تظهر بعد أن ظل كثير منها في أعماق الكواليس بعيدا عن الواجهة؛ لنفهم معادلة الأهداف الأمريكية-الإسرائيلية الطامحة في أساسها إلى تمزيق المنطقة وسرقة ثرواتها، والزج بها في حروب مع بعضها بعضا ومنح إسرائيل زمام التوسّع غير المشروط وغير المُقَاوم. هذا ما يمكن ملاحظته في بعض خطابات الرئيس الأمريكي «ترامب» وتصريحاته الأخيرة، والتي فهم منها كثيرون أن البعد الاقتصادي حاضر بقوة في مقاربته للصراع، ولا سيما في ما يتعلق بالنفط الإيراني؛ إذ أعاد التذكير أكثر من مرة بأهمية موارد الطاقة في الحسابات الإستراتيجية الأمريكية وفقَ المعطيات الإعلامية. 

وما تسرّب من مؤشرات سياسية وتصريحات مباشرة وغير مباشرة يدفع إلى الاعتقاد بأن البعد النفطي عنصر رئيس في هذه الحرب، ويمثل أحد الأهداف المهمة خصوصا لدى الجانب الأمريكي؛ إذ تتقاطع تصريحات «ترامب» مع قراءات سياسية ترى أن التفكير في السيطرة على الموارد النفطية الإيرانية بما في ذلك المواقع ذات الأهمية الإستراتيجية مثل جزيرة خرج، يدخل ضمن الحسابات المطروحة في خلفية الصراع، سواء بوصفه وسيلة لإضعاف إيران اقتصاديا، أو لإعادة رسم موازين القوة والطاقة في المنطقة بما يخدم ترتيبات أوسع ذات طابع إستراتيجي. 

من زاوية أخرى يرى كثير من المحللين أن الرجل يتحرك ضمن معادلة مركبة تجمع بين المصالح الأمريكية الاستراتيجية، والمصالح الاقتصادية، والدعم الواضح لإسرائيل بما ينسجم مع توجهات تسعى إلى منع بروز أي قوة إقليمية تستطيع أن تؤثر في ميزان القوى في المنطقة، فتبقى الكفة الراجحة لصالح إسرائيل وحدها أو بصورة أساسية. 

أما الحقيقة الأخرى التي تهمنا نحن العرب في منطقة الخليج العربي والتي برزت في هذا السياق فهي ما يُفهم من بعض التصريحات الأمريكية المتكررة بشأن ضرورة تحمّل دول الخليج جزءا -إن لم يكن جميعها- من الأعباء المالية المرتبطة بالتصعيد العسكري، وهو خطاب سبق أن استُخدم في أكثر من مرحلة سياسية حين جرى الحديث عن ضرورة مساهمة الحلفاء في كلفة الحماية الأمنية أو العمليات العسكرية. ويكفي أن نستدل بما صرّحت به المتحدثة باسم البيت الأبيض «كارولين ليفيت» مؤخرا برغبة واشنطن بأن تقوم دول الخليج العربية بدفع تكاليف الحرب ضد إيران وتمويلها، وهذا ما يتقاطع مع الرغبات الأمريكية السابقة منذ بداية الحرب بدفع دول الخليج إلى خوض الحرب بجانبها ضد إيران، ولعل ذلك ما يمكن أيضا أن يفسّر بعض الهجمات غامضة المصدر التي أنكرتها إيران، ولا يستبعد اليد الإسرائيلية فيها بغية الزج بدول الخليج العربي إلى حرب لا تخصهم. 

لهذا نجد أن الدعوة إلى ضرورة ممارسة العقلانية السياسية والعسكرية في هذه المرحلة الحرجة يتبنّاها كثير من المفكرين والخبراء الخليجيين. 

كذلك لم يعد خفيا أن الإدارة الأمريكية تدرك جيدا أن أي مواجهة واسعة مع إيران ستنعكس مباشرة على منطقة الخليج العربي -سواء عبر تهديدات أمنية- أو اضطرابات في أسواق الطاقة، أو ضغوط اقتصادية واسعة، وهو ما يجعل دول الخليج في موقع شديد الحساسية في أي تصعيد إقليمي. ومن هذا المنطلق يظهر القلق من أن تتحول المنطقة إلى ساحة تتحمل أعباء صراعات ليست من صنعها المباشر، ولا تنطلق بالضرورة من أولوياتها الوطنية، وإنما من حسابات تتصل بمشروعات إقليمية ودولية أكبر بعضها يرتبط بمصالح اقتصادية أمريكية، وبعضها يرتبط بأهداف إستراتيجية أوسع. 

لذلك يبقى التصور السائد لدى كثيرين أن صميم الخطر طويل الأمد، ويكمن في استمرار المشروع الإسرائيلي التوسعي كما يُفهم من مسار الصراع منذ حرب 1948 حتى اليوم، وأن الحرب مع إيران جزء من المعادلة العسكرية الصهيونية الساعية إلى الانتقال إلى مراحل أخطر لا نستبعد أن تمس الأمن الخليجي بشكل مباشر؛ حيث يمكن تتبع المسار الإسرائيلي عبر تاريخها القصير بأنها لم تتوقف عن بناء سياساتها الأمنية والعسكرية على قاعدة الصراع المستمر، وأن بقاءها الإستراتيجي ارتبط دائما بإدارة التوترات والحروب بدرجات متفاوتة، وسبق أن ناقشنا ذلك وتأكدنا من تبنّي الكيان الإسرائيلي منهجية «جزّ العشب» في النطاق العسكري. لهذا نحن بحاجة إلى تحديد مصالحنا وترتيب أولوياتنا بشأن مشروعات الحرب والسلم، وإعادة تصميم فلسفتنا الأمنية والعسكرية على الأقل في نطاق منظومة الدول الخليجية. 

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني