يعتبر الكاتب نهاد سيريس من أبرز الأصوات الأدبية والدرامية في سوريا يجمع في كتاباته بين الواقعية الاجتماعية، والعمق التاريخي، والجرأة الفكرية. بدأ مشواره الأدبي في الثمانينيات بنصوص تستند إلى بيئته الحلبيّة قبل أن يتوسع في كتابة الرواية والمسرح والنصوص التلفزيونية التي أثّرت في ذائقة الجمهور العربي.
كتب سيريس روايات متعددة من بينها رياح الشمال والصمت والصخب، وقد تُرجمت أعماله إلى لغات عديدة بما فيها الإنجليزية والألمانية والفرنسية. على الصعيد الدرامي قدّم عبر مسلسلات مثل خان الحرير والثريا قراءة متعمّقة لمراحل مفصلية في التاريخ السوري والعربي مستخدمًا لغة سردية ثرية تجمع بين الشخصية والفعل التاريخي. في هذا الحوار نستكشف مع نهاد سيريسي منابع كتابته، وعلاقة الكتابة بالدراما، إشكالات النص والواقع، والترجمة، وكيف يعالج موضوعات الحرية والسلطة والذاكرة في أعماله المتنوعة.
_____
*نبدأ من روايتك "أوراق برلين" فيها الكثير من المقاربات بين الحربين العالمية والسورية، وأوردت الكثير من التفاصيل والوقائع كمقاربة بين حلب وبرلين، وأسلوب جديد. هل تعتبرها من باب السيرة، أم رد الدين لمدينة احتضنت كاتبا ومنحته السكينة ليلملم أفكاره ويكتب من جديد؟
** أوراق برلين هي تلخيص لمعرفتي بهذه المدينة وبألمانيا بشكل عام، كما أنني استفدت من ذكرياتي عن مدينة حلب فقمت بتسجيلها. ظهر التماثل ما بين معاناة المدينتين في سياق الكتابة أثناء بحثي عن معاناة سكان برلين أثناء الحرب وتشابهها مع معاناة حلب وسكانها. أحببت أيضا كيف وقف المثقفون وخاصة الرسامين ضد النازية وضد الحرب. أخيرا قمت برصد الحرية التي أصبح السكان يتمتعون بها في الوقت الحاضر.
_____
*في رواياتك "رياح الشمال" و"الصمت والصخب" تبدو حلب وذاكرتها الحية جزءا من الشخصيات نفسها. كيف وظفت هذا الانتماء المكاني والذاكرة المحلية لتشكيل الصراع الداخلي والخارجي لشخصياتك وهي تواجه مصيرها والواقع المضطرب؟
** كيف؟ لا أعلم، ثم إن هذه الأمور من صميم الأدب الذي أكتبه. فعندما أكتب أفعل ذلك وفق الواقع والخيال معا. عندما أكتب تكون المدينة حاضرة بقوة في ذهني؛ لذلك عندما أصنع شخصية من الخيال فإنها تخرج مجبولة بالواقع؛ بالتالي تمت إلى المدينة مائة بالمائة.
_____
*يُحسب لك أنك كنت من الذين كتبوا بجرأة عن كثير من المسكوت عنه، وسوريا بعد 13 عاما من الحرب وتهتك المجتمع جراء ما جرى من فظائع هل ستكتب عنها بتلك الجرأة، أم أن المجتمع اليوم يحتاج لمداواة جراحه ولو عن طريق الأدب ودون تجريح؟
** لا أعتقد أنني سأتوقف؛ لأن ذلك من مهام أي كاتب. وفي كل فترة هناك أمور أخرى تحدث يجب الكلام عنها وتنوير المجتمع بها. خذ مثالا القمع الذي حدث أثناء الوحدة مع عبد الناصر. لقد تحدثت عنه في خان الحرير، أما في عمل آخر -وهو الصمت والصخب- فقد قمت بتخصيص الرواية بمجملها عن قمع الفترة الأسدية، وكيف كان الأسد يدير الجماهير ويؤثر عليها. قبل ذلك كتبت رواية حالة شغف التي كان موضوعها المسكوت عنه اجتماعيا. أعتقد أن مثل هذه الأمور الاجتماعية موجودة، وأشعر دائما بالإغراء للكتابة عنها.
_____
*هذا السؤال يأخذني لسؤال آخر من عمق أحاديثك: "حين تكتب يجب أن تروي للقراء حكاية لم يسمعوا بها من قبل. وبالنسبة لهذه المشكلات فهم يعرفون عنها الآن أكثر مما تعرف أنت نفسك.
هل دور الأدب والدراما فقط استجرار الواقع وتجسيده في أعمال، أم يجب أن يكون له دور أكثر من هذا الاستعراض، وما هو برأيك؟
** لم أكن أقصد الحكايات، بل الأحداث والمجريات التي كانت تجري دون أن نتكلم عنها ونظهرها للعلن. أما بالنسبة للمشكلات التي كانت تحدث، وكان الناس يعرفون عنها أكثر مني؛ فقد كنت أقصد يوميات الحرب التي عانى منها الناس. لذلك فعوضا عن سردها في حكايات أذهب إلى العمق لأكشف المستور بمعنى الحديث عن الاستبداد وتحليله الذي جعل الناس يثورون على المستبد، ومن ثم حصل ما حصل.
_____
*تحدثت عن أن الكتابة بالطرق القديمة لم تعد تقنع المتلقي، وأن المبدعين سيبتكرون طرقا جديدة للتعبير الأدبي. برأيك كيف سيكون شكل السرد الروائي القادم، وهل سيتغير شكل القصيدة أيضا؟ كيف سيحدث هذا عربيا؟
** في الحقيقة كنت أنطلق من فكرة أن الثورات والحروب التي شهدتها سورية وغيرها من الدول العربية ستؤدي إلى تغييرات في الأساليب والأنماط كما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى. كنت مقتنعا بان الدمار والتهجير الذي حدث في سوريا سوف يغير الكثير من عاداتنا ومفاهيمنا ومن ضمنها أساليبنا. كتبت أوراق برلين رغبة مني بتحقيق ذلك؛ فقد عانيت كما عانى غيري، وتحولت بين ليلة وضحاها إلى لاجئ؛ حيث سكنت في البداية في الملاجئ. لقد حاولت، ولم أنجح بالقدر الذي كنت أتمناه.
_____
*بعد كل التجارب والعمر الذي مضى أعلنت أنك كاتب حر، وتخلصت من كل أشكال الالتزام الحزبي أو الأيديولوجي، لتقول ما تريد من خلال كتاباتك، وكي لا تقع في مديح المستبد العادل؛ فهل أنت متفائل اليوم بجيل أدبي يكتب بعيداً عن المدح؟ وكيف جسدت هذا الاعتقاد في أعمالك؟
** أنا لم أمدح يوما أي مستبد، ولا أعتقد أن الكثيرين من كتابنا يفعلون. الاستبداد يبقى استبدادا مهما كان عادلا. كنت في شبابي معجبا بستالين، ولكنني سرعان ما تخليت عن هذا الإعجاب بعد انكشاف أفعاله لكل العالم. أسقط السوريون الاستبداد، وراحوا يتطلعون نحو العدل فحسب.
_____
*هل ترى أن الرواية بالنسبة لك وسيلة للتوثيق، أم فضاء للتخييل الحر، أم مزج بين الاثنين؟ وكيف تحافظ على التوازن بين الحقيقة والخيال؟
** إنها مزج بين الاثنين. إنني انطلق من الأرض الصلبة مثل مدينتي أو عالمي، ثم اختار شخصياتي بشكل تمت إلى الواقع الذي أعرفه. هذه الشخصيات ليست توثيقا، بل إنها متخيلة تمت إلى ذلك العالم، فتحسب أنني أوثق، أما كيف أقوم بذلك فلا أستطيع تفسيره.
_____
*في رواياتك الأخيرة لاحظنا تحولك إلى التحليل النفسي العميق للشخصيات بعيدًا عن الوصف السطحي. هل هذا نتاج تجربة الحياة في المنفى، أم تطوير طبيعي لمسارك الأدبي؟
** ذلك عائد لضرورة العمل الروائي. في بعض الأحيان أترك الحكاية لأغوص في العالم الداخلي للشخصية. قمت بذلك في أكثر من رواية في ما قبل الفترة التي تسميها المنفى، ولكن التحليل ظهر في أوراق برلين بشكل واضح.
_____
*شخصياتك غالبًا مركّبة ومعقدة تحمل تناقضات واضحة. كيف تبدأ في خلق شخصية روائية من الصفر، وهل تستند لشخصيات واقعية، أم هي نتاج فني صرف؟
** أنها شخصيات تتراوح بين الواقعي والفني (أو المتخيل). أعطيك مثالا: شخصية أم ربيع في خان الحرير مركبة من عدة شخصيات عرفتها في طفولتي طبعا مع إضافة أشياء فنية لازمة لتتلاءم وتشترك بشكل صحيح في الحكاية، ولا تظهر كأنها غريبة.
_____
*في رياح الشمال نجد تلاعبًا بالزمن وتكرار الذكريات. كيف تقرر استخدام هذا الأسلوب السردي لإضفاء عمق على الرواية دون أن يفقد القارئ المسار؟
** هذه هي الإمكانيات الجميلة للرواية التاريخية. إنك تمسك بخيط الحكاية، وتتحرك في كل الاتجاهات. أشعر الآن بالسعادة؛ لأنني كتبت رياح الشمال كأول عمل أدبي لي.
_____
*غالبا ما تكون المحلية هي البوابة للعالمية "هكذا يقال". هل تفكر في العودة للكتابة باللهجة الحلبية المحلية، أم أن التجربة الألمانية وسفر الحياة جعلا الأسلوب أكثر حيادية وعالمية؟
** أنا لم أتوقف يوما عن الكتابة باللهجة الحلبية. وعندما تفرض علي ظروف عمل أدبي معين فإنني أنتقل لأكتب باللهجة المطلوبة أو بالفصحى. الرائع هو أن العربية الفصحى موجودة، حتى إن هناك من يعتقد أن لا أدب خارج الفصحى. إنني أكتب بالعربية الفصيحة، وأضيف الخصوصية الحلبية. إن كنت تقصد المسلسلات فنعم أشتاق للكتابة بالعامية في أعمال كاملة.
_____
*بعد تجربة الكتابة في سوريا وألمانيا كيف تنظر إلى جمهورك العربي؟ هل يستوعب الفروق الثقافية بين الأعمال السورية الأصيلة والأعمال التي أنتجتها في المهجر؟
** لا توجد مثل هذه الفروق؛ لأنني إن كتبت في برلين فهذا لا يعني أنني أخلع عني جلدي. كما ترى في أوراق برلين فإنني كتبتها بالتوازي مع حلب، وعقدت المقارنة بين ما عاناه سكان المدينة وبين ما عاناه الحلبيون.
_____
*نلت عدة جوائز دولية عن أعمالك الأدبية، بما فيها ترجمات أعمالك إلى لغات عدة. ما الذي يعنيه لك هذا التقدير خارج سوريا مقارنة بالتقدير المحلي؟
** إن التقدير الذي يحصل عليه الكاتب من أهله وعالمه له قيمة عالية ومؤثرة. من الطبيعي أن يشعر الكاتب بأهمية الإنجاز إن هو تلقى التقدير في الخارج، ولكن الجائزة الأهم هي تلك التي يحصل عليها في بلده، ومن الناس الذين كتب عنهم. إن الحب الذي تلقيته بعد عرض خان الحرير كان تعبيرا قويا عن النجاح الفعلي والذي سيدوم طويلا.
_____
*كتبت نصوصًا درامية مثل خان الحرير والثريا؛ حيث تجتمع الدراما التاريخية مع قراءة معاصرة للواقع الاجتماعي. كيف تحافظ على التوازن بين التوثيق التاريخي والحكاية الدرامية التي غمزت من خلالها حول الواقع حينذاك؟
** أرجوك لا تسألني كيف فعلت هذا أو ذاك؛ لأنني فعلاً لا أعلم، وحين أفكر كيف فعلت أمرا معينا فإنني أفشل في المرة القادمة. إنها مثل التنفس فإن أنت حصرت ذهنك لتعرف كيف تبلع الماء حين تشربه فإنك ستختنق.
_____
*عند تحويل رواية إلى نص درامي كثيرا ما يطلب المنتجون تغييرات ما. كيف تتعامل مع هذه الضغوط دون أن تخسر جوهر العمل ؟
** أنا لم أقم بتحويل أي عمل روائي مطبوع إلى مسلسل درامي. عندما أكتب الدراما فإنني أكتبها كما أكتب عملا روائيا. أتصور العالم الذي أرغب بالكتابة عنه، وأجمع المعلومات عنه، وأتصور الشخصيات وأجعلها مألوفة...إلخ تماما كما أكتب الرواية.
_____
*يرى كثيرون أن أعمالك التلفزيونية تمتلك لغة سينمائية قوية رغم كونها مكتوبة للدراما التلفزيونية. كيف تصوغ النص بحيث يعطي المخرج والممثل مساحة للخلق الفني دون فقدان السياق الروائي؟
** من الطبيعي ألا أفقد السياق الروائي. إنني أصنع هذا السياق بشكل يحرض عين المخرج لتقديم اللغة السينمائية القوية، وللحقيقة فقد توجهت إلى هيثم حقي ليخرج لي عملي الأول؛ لأنه يمتلك موهبة صناعة لغة سينمائية قوية إذا توفر له نص قوي، وأنا لم أشعر بالندم للتوجه إلى الأستاذ حقي، حتى إنني وقفت ضد استبداله بالمخرج نجدت أنزور حين تدخل أيمن زيدان الذي كان يدير في ذلك الوقت شركة شام الدولية رغم محاولة إغرائي بعقود طويلة الأجل لكتابة أعمال أخرى ولك أن تتخيل خان الحرير بإخراج أنزور الذي ربما كان يفكر بتصوير تجار خان الحرير وهم يعلقون السيوف على ظهورهم.
_____
*هل ترى أن الدراما التلفزيونية تتيح لك الحرية نفسها التي تمنحها الرواية، أم هناك قيود مفروضة على البنية والأسلوب؟
** طبعا لا؛ لأن على الكاتب الدرامي أن يراعي ظروف الإنتاج بينما كتابة الرواية لا تخضع لمثل هذه الظروف.
_____
*برأيك؛ هل يمكن أن تحمل الدراما التلفزيونية أو المسرحية نفس ثقل الرواية من حيث العمق الفكري والرمزي، أم أنها تظل أكثر مباشرة وتبسيطًا؟
** على المسلسل التلفزيوني أن يكون مفهوما لشريحة واسعة من المشاهدين وان يكون جذابا لهم. هذا بخلاف الرواية التي تشتغل على السرد والأصوات والأفكار التي قد تكون مجردة بينما المسلسل التلفزيوني واقعي جدا، ويعتمد على المشهدية والحوار. عندما جلست لكتابة خان الحرير أردت نقل تجربتي الروائية إلى بناء المسلسل الذي أردته أن يكون شبيها بعالم الرواية.
_____
*إذا طلب منك اختيار رواية من أعمالك الأدبية لتحويلها إلى عمل درامي اليوم فأيها ستختار؟ ولماذا؟
** سأختار رواية الكوميديا الفلاحية؛ فهي تلقي الضوء على فترة مهمة من تاريخ مدينة حلب، وهي فترة الأربعينيات والخمسينيات حين كان على المدينة أن تبني مجتمعها المدني، فجاءت الظروف لمنعها من ذلك.
_____
*تُرجم العديد من أعمالك للغات الأجنبية. كيف يمكن أن تسهم الترجمة في إيصال الصوت للآخر؟ وكيف يمكن أن يكون الصدى؟ وهل تعتقد أنك أوصلت ما تريد للقارئ في الغرب؟
** إنهم يترجمون الأعمال التي تستجيب لحب الاطلاع الواسع لدى القراء. لماذا نقرأ الروايات المترجمة برأيك؟ لأنها توفر لنا متعة التعرف على الآخر. لقد ترجموا رواية الصمت والصخب؛ لأنها توفر الإجابة على أسئلة المهتمين عما يدور في سوريا حين كانت أحداثها تشغل الناس في جميع أصقاع الدنيا، وأيضا لأنها تقدم أفكارا تتجاوز المحلية عن هذه الأزمة، وتحديدا حول موضوع الاستبداد ومقاومته.
_____
* كيف ترى تأثير الترجمة على النص؟ وهل شعرت أحيانًا أن الجوهر الثقافي لحلب أو سوريا قد يُختزل عند القراءة بلغات أخرى؟
** دائما هناك شيء نسميه "الضائع في الترجمة" وهو خصوصية الكاتب اللغوية، أقصد أيضا الأسلوب. في الرواية يحرص الكاتب أيضا على تقديم الصوت الخاص بالشخصية فلكل شخصية لها ما يميزها عن غيرها وخاصة اللغوية منها مثال العامية التي تختص بها مجموعة اجتماعية معينة تنتمي إليها الشخصية، فمهما كان المترجم شاطرا فإنه قد يعمم الأسلوب اللغوي على جميع الشخصيات، وهذا ما لا يتمناه الكاتب.