غزة- «عُمان»- بهاء طباسي
لم يكن إبراهيم فياض يتخيّل أن رحلة الألم ستبدأ من كتلة صغيرة، قبل أن تتحول إلى مأساة عديدة الاحتمالات الموجعة. كان يقيم في دير البلح، وسط قطاع غزة، يعيش حياة متواضعة، إلى أن ظهرت أعراض مبهمة في جسده، دفعته إلى تناول أدوية لم تُجدِ نفعًا، قبل أن تكشف الفحوصات عن ورم خبيث في منطقة الشرج، غيّر كل شيء.
ورم يستنزف الحياة
بصوتٍ مثقلٍ بالتعب يروي لـ«عُمان» أنه خضع لصورة مقطعية داخل مستشفى حيفا، حيث أبلغه الأطباء بوجود كتلة تستدعي تدخلاً جراحيًا عاجلًا. نُقل لاحقًا إلى مستشفى شهداء الأقصى، وهناك بدأت مرحلة جديدة من المعاناة، إذ لم تنتهِ العملية كما كان يأمل، بل تضاعفت آلامه بعد الجراحة، مع تآكلٍ مفاجئ في الأنسجة، تركه في حالة جسدية ونفسية بالغة التعقيد.
يسترجع تفاصيل أيامه الأولى بعد العملية، حين بقي أكثر من ثلاثة أسابيع عاجزًا عن تناول الطعام، قبل أن يستعيد جزءًا من قوته تدريجيًا. تنقّل بين أقسام العلاج، وخضع لعدة عمليات إضافية لمحاولة إغلاق الجرح، وقضى أكثر من شهر ونصف داخل مستشفى الأقصى، قبل أن يُنقل إلى مستشفى الحلو لمتابعة العلاج، وسط نقصٍ واضح في الإمكانيات.
لكن أكثر ما يرهقه اليوم ليس الجرح المفتوح فحسب، بل تلك «الفتحة الجانبية» التي أُجريت له، والتي تفرض عليه استخدام أكياس خاصة بشكل يومي. يوضح بأسى أنه يحتاج إلى سبعة أو ثمانية أكياس يوميًا، بينما لا تتوفر هذه الكميات في المستشفى، ما يضطره إلى استخدام الكيس الواحد لفترات أطول، رغم ما يسببه ذلك من التهابات حادة وحروق مؤلمة.
ويتابع بمرارة أن الدواء أيضًا بات معركة يومية، إذ تتطلب حالته ما بين 10 إلى 15 جرعة كل ثلاثة أيام، في حين لا يحصل إلا على 15 جرعة لشهر كامل. بين الألم ونقص العلاج، يجد نفسه مضطرًا أحيانًا لتحمّل الوجع أو استجداء الدواء، في مشهد يلخّص معاناة آلاف المرضى.
يختتم حديثه بنداءٍ موجع، قائلاً إنه لا يطلب سوى حقه في العلاج، سواء بتوفير الإمكانيات داخل غزة أو السماح له بالسفر. يؤكد أن ما يعيشه «عذاب يشبه الموت»، وأنه لم يعد قادرًا على الجلوس أو الاحتمال، بينما تستنزف حالته عائلته بالكامل، في ظل غياب الماء والدواء وارتفاع تكاليف الرعاية.
بين الدواء والمعبر
في قطاع غزة، لا تنفصل معاناة المرضى عن تعقيدات الواقع السياسي والإنساني، حيث يتقاطع نقص العلاج مع إغلاق المعابر، ليشكّلا معًا تهديدًا مباشرًا للحياة. ووفق معطيات منظمة الصحة العالمية حتى نهاية عام 2025، فإن نحو 12,500 مريض سرطان يعيشون في القطاع، مع تسجيل أكثر من ألفي حالة جديدة سنويًا، بينهم أطفال، في وقتٍ خرجت فيه المستشفيات المتخصصة عن الخدمة.
تشير التقارير الدولية إلى أن جلسات العلاج الكيميائي الوريدي توقفت بشكل شبه كامل منذ منتصف العام الماضي، نتيجة تدمير البنية التحتية الصحية ونفاد الأدوية. هذا الانقطاع لا يعني فقط تأجيل العلاج، بل يفتح الباب أمام تطور سريع وخطير للمرض، قد يصل إلى مراحل يصعب السيطرة عليها.
وتحذر جهات طبية وإنسانية من أن مئات المرضى يواجهون خطر الموت المباشر بسبب غياب العلاج، إذ يُعد مرضى السرطان من أكثر الفئات هشاشة في ظل هذه الظروف.
وقد كشف المدير الطبي لـ«مركز غزة للسرطان»، محمد أبو ندى، أن نحو 1500 مريض بالسرطان فقدوا حياتهم منذ اندلاع الحرب في السابع من تشرين الأول 2023، نتيجة استهداف المستشفيات أو حرمانهم من العلاج.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن المنظومة الصحية في غزة باتت على حافة الانهيار الكامل، مع نقص حاد في الوقود والأدوية، وتوقف خدمات التشخيص، ما يجعل المرض يتفاقم بوتيرة قاتلة دون تدخل فعلي.
في موازاة ذلك، يشكّل إغلاق معبر رفح عائقًا إضافيًا أمام المرضى، إذ حُرم آلاف منهم من فرصة السفر للعلاج. فمنذ اندلاع الحرب الإقليمية، أُغلق المعبر أمام الحالات الإنسانية، بعد أن كان قد فُتح جزئيًا في فبراير الماضي، فيما ينتظر أكثر من 18 ألف مريض، بينهم أربعة آلاف طفل، دورهم للخروج، في قائمة انتظار تتضخم يومًا بعد يوم، وتصل وفقًا لوزارة الصحة في غزة إلى 20 ألف مريض.
في انتظار مكالمة النجاة
في مدينة خان يونس، يرقد محمد النجار على سرير الألم، أمام شاشة تلفاز تعرض أخبار الحرب الإقليمية على إيران، مترقبًا مكالمة هاتفية قد لا تأتي. الرجل البالغ من العمر 58 عامًا، يعيش مع ورم سرطاني ينهش جسده، بينما ينتظر التنسيق للسفر عبر معبر رفح، في سباق غير متكافئ مع الزمن.
يقول لـ«عُمان» إن المعبر يفتح ويغلق بشكل متكرر، وإن الأعداد المسموح لها بالمغادرة محدودة للغاية، لا تتجاوز خمسين شخصًا في أحسن الأحوال، وأحيانًا أقل من ذلك بكثير. هذا التذبذب، كما يوضح، «يترك المرضى في حالة ترقّب دائم، بينما تتدهور صحتهم تدريجيًا».
يشرح أن نسبة نجاح العلاج في حالته كانت تتراوح بين 20 و30 بالمئة، لكنها بدأت تتراجع مع مرور الوقت، بسبب تأخر السفر واستمرار المرض في الانتشار. يؤكد أن الورم يمتد في جسده نحو الأسفل، وأن الألم يشتد يومًا بعد يوم، حتى بات عاجزًا عن النوم أو تناول الطعام بشكل طبيعي.
ويضيف أنه يراجع وزارة الصحة باستمرار، ويتابع الإجراءات أملاً في اقتراب دوره، لكن دون جدوى تُذكر. ورغم الوعود التي تلقاها بقرب السفر، إلا أن الانتظار طال، وأصبح يهدد ما تبقى من فرص العلاج.
يناشد بلهجة يائسة السماح له بالمغادرة فورًا، مؤكدًا أنه لن يتردد لحظة واحدة إذا أتيحت له الفرصة. ويطالب إما بتسفيره العاجل أو بتجهيز مستشفيات غزة بالإمكانات اللازمة، محذرًا من أن البقاء على هذا الحال يعني «موتًا بطيئًا ومحتّمًا».
معبر الدواء المغلق
لا تقف معاناة المرضى عند حدود السفر، بل تمتد إلى داخل القطاع، حيث يواجهون نقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات الطبية، في ظل القيود المفروضة على دخولها عبر معبر كرم أبو سالم، المنفذ الوحيد المتاح حاليًا.
وقد حذّرت منظمة الصحة العالمية مؤخرًا من أن هذه القيود تعرقل وصول المساعدات الإنسانية، مشيرة إلى أن الشحنات التي سُمح بدخولها اقتصرت على الوقود، دون إدخال الأدوية أو المعدات الطبية الضرورية.
وأوضحت المنظمة أن فرقها تمكنت من إنزال شحنات عند المعبر في 14 مارس، تضمنت نحو 50 سريرًا للعناية المركزة و170 شحنة من الأدوية، إلا أنه لم يُسمح لها بجمعها أو إدخالها إلى القطاع. وحتى 19 مارس، لا تزال هذه الإمدادات عالقة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إليها بشكل ملحّ.
وتؤكد المنظمة أن معبر كرم أبو سالم هو المنفذ الوحيد المتاح منذ بدء التصعيد، وأنها تواصل التنسيق اليومي مع السلطات الإسرائيلية للسماح بإدخال المساعدات، في محاولة لتلبية الاحتياجات العاجلة، خاصة للمرضى الذين يواجهون خطر الموت بسبب نقص العلاج.
في هذا المشهد المعقّد، يتحول المرض إلى حكم مؤجل، لا يُنفذ برصاصة، بل بصمتٍ ثقيل، حيث يموت المرضى ببطء، بين دواء لا يصل، ومعبر لا يُفتح، وعالمٍ لا يسمع.