عندما مات أبي، كان يوما مختلفا عن بقية أيام العمر الماضية، كل الأشياء قد تغيرت ألوانها، حركتها، بريقها، كل شيء أصبح مخيفا بدرجة غير معقولة.
تارة أعتقد بأن الزمن عليه أن يتوقف، وبان ما أشعر به الآن ما هو إلا خيال إنسان حالم، سيستفيق بعد قليل لينسى ذلك السيناريو المخيف.
لكن تخيب التوقعات ويصبح الوجع هو الحاضر بقوة ما بين فقد مؤلم ووداع سيطول أمد الدهر.
تذكرت ما قاله الكاتب الراحل د. أحمد خالد توفيق "في النهاية أنت تتجه إلى النهر المظلم.. النهر الذي عبره كثيرون من قبلك ولم يعودوا.. سوف تعبر إلى الجانب الآخر وسوف ينساك الجميع".
وتذكرت بأن حلقات الفقد لن تنتهي، وبأن من أحبهم تساقطوا نحو الأرض المظلمة، وكأن أقمار السماء تموت أيضا وتختفي من حولي، وليس لي سوى الانتظار.
الحياة لم تعد مبهجة مثلما كانت، تذكرت قصة البداية وكيف كان أبي حاضرا بيننا، ثم توالت الاحداث المؤلمة، وكيف استل القدر سكينا أخرى مسمومة ليوجه طعنة أخرى مباغته بموت الأخ، ذلك السند والعضد والظهر الذي يسندك عندما يميل جسدك نحو الأرض، الأخ المعادلة الصعبة، والشيء الذي يصعب تقديره.
في ذلك اليوم، خيل لي بان شعاع الشمس يتساقط كحبات المطر من السماء، رحيل الأخ "الصالح" هو الوجع الذي لن تتخلص من ألمه طالما كنت حيا على ظهر الدنيا، حرفيا كمن قال "لو كان بوسع المرء أن يغرس خنجرًا في مخه ليقتطع الجزء الذي يحمل ذكريات معينة، لغدت الحياة جنة".
الأخ نعمة عظيمة، فالله تعالى يقول في كتابه العزيز "قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [ سورة القصص: 35].
قال عبدالله بن زيد الجرمي رحمه الله: "إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه، فالتمس له العذر جهدك، فإن لم تجد له عذرًا، فقل في نفسك: لعل لأخي عذرًا لا أعلمه"، هذا وهو على قيد الحياة فكيف إذا رحل عن عالمك وبقيت وحيدا تعيش مع الذكريات.
إخوانكم وأخواتكم هم العزوة التي لا انفصال عنكم حتى وإن تباعدت بينكما الخطوات والمسافات، فالأخوة هي تجسيد حقيقي لمعنى الإنسانية في أبهى صورها، والأخوة ليست كلمة "سهلة" تقـال في حين الشدة وتنسى في وقت الرخاء، الأخوة هي سلوك يظهر حين لا يكون هناك مقابل.
علمتنا الحياة الكثير من الدروس لكن أجلها وأنقاها أن الأخوة هي من تدفعنا بحب نحو السمو فوق أي مصلحة دنيوية، وأخبرتنا بأن نختار الرحمة حين يختار غيرنا القسوة، وأن تجبر خاطرا دون أن ننتظر كلمات الشكر لأننا نقوم بالواجب الصحيح تجاه رابطة الدم التي لايمكن أن تتحول إلى قطرات من ماء، وكما قيل قديما: "الأخوة تكمل معاني الإنسانية رتبة لا تمنح بالادعاء الكاذب بل تُكتسب بالمواقف" لهذا كان الأخ عونا في كل الأوقات.
أبكتني كلمات قرأتها عن الدعاء للأخ في حياته وبعد مماته بكل ما يحبه لنفسه؛ كان أبو الدرداء يقول: "إني أدعو لسبعين من إخواني في سجودي"، وكان محمد بن يوسف الأصفهاني يقول: "وأين مثل الأخ الصالح؟ يدعو لك في ظلمة الليل، وأنت تحت أطباق الثرى".

**media[3340083]**