تُجسّد الصين مفارقة لافتة؛ فهي من بين أكثر القوى التكنولوجية ديناميكية في العالم، تُنتج اختراقات متسارعة في الذكاء الاصطناعي والمركبات الكهربائية والتصنيع المتقدم، ومع ذلك يستمر النمو الاقتصادي في التباطؤ. والسبب ليس لغزًا؛ فكما يُقرّ بذلك أحدثُ خطط الحكومة الخمسية (2026-2030)، تمرّ الصين بمرحلة انتقال هيكلي، لا تباطؤ دوري. إن النموذج القديم يفسح المجال لنموذج جديد لم يترسّخ بعد. 

هذا التحوّل يتجاوز كونه مسألة اقتصادية بحتة. فهو يعكس هدفًا أعمق: الاستقلالية الاستراتيجية. لم يعد السؤال يقتصر على ما إذا كانت الصين قادرة على تحقيق النمو، بل ما إذا كانت تستطيع أن تنمو وفق شروطها الخاصة. فالنظام الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الطلب الخارجي، أو رأس المال الأجنبي، أو التكنولوجيا المستوردة، يظل بطبيعته عرضة للمخاطر - وهي حقيقة كشفتها صدمات الطاقة الأخيرة بوضوح. ومن هنا، تهدف الخطة الخمسية الخامسة عشرة إلى تقليص أوجه الاعتماد الهيكلي. 

لقد كان النموذج القائم على الاستثمار والموجَّه نحو التصدير، الذي دفع عجلة النمو في الصين لعقود، شديد الفاعلية في توسيع جانب العرض، وحقق نتائج استثنائية خلال فترة اتسمت بعولمة سريعة، وخصائص ديموغرافية مواتية، وتوسع حضري متسارع، وطفرة في قطاع العقارات. لكنه كان أقل كفاءة في تعزيز الطلب والرفاه، وقد بلغ الآن حدوده القصوى. وبينما تُعد قطاعات التكنولوجيا المتقدمة ذات أهمية استراتيجية، فإن وزنها على المستوى الكلي يظل محدودًا. فعلى سبيل المثال، لم يشكّل التصنيع عالي التقنية سوى نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي في العام الماضي، كما أنه يساهم بدرجة أقل نسبيًّا في إيرادات الحكومات المحلية مقارنة بقطاع العقارات الذي يُفترض أن يحلّ محلّه. 

لم يعد هناك سوى محرّك واحد قادر على استدامة النمو بالحجم الذي تحتاجه الصين: الاستهلاك. وبالنسبة لبلدٍ نجح في تجاوز قيودٍ قوية على الابتكار -وهو سجلّ تجسّده قدرة شركة «هواوي» على الصمود وصعود لاعبين بارزين في مجال الذكاء الاصطناعي مثل «DeepSeek»- قد لا يبدو دفع الأسر إلى زيادة الاستهلاك مهمة صعبة. لكن، نظرًا لأن ضعف الاستهلاك متجذّر منذ زمن طويل في بنية النظام الصيني، فقد يكون ذلك أصعب تحدٍّ واجهته الصين حتى الآن. 

تشير الفجوة بين مستويات الاستهلاك الحالية في الصين والمعايير العالمية إلى وجود طلب غير مُستغل تُقدَّر قيمته بتريليونات الدولارات. ويظهر هذا التباين بشكل أوضح في قطاع الخدمات. ففي حين يبلغ الاستهلاك الحقيقي في الصين نحو 50% إلى 80% من مستوياته في الولايات المتحدة -وهو ما يتماشى عمومًا مع اقتصادٍ متوسط الدخل ضمن دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- فإن استهلاك الخدمات يتأخر بشكل ملحوظ، إذ يقلّ عن مستويات الاقتصادات المتقدمة بنحو 15 إلى 20 نقطة مئوية. 

وتُعدّ الخطة الخمسية الخامسة عشرة أبرز محاولة حتى الآن من جانب الحكومة الصينية لمعالجة هذا الاختلال - رغم أن النتائج ستستغرق وقتًا حتى تظهر. وفي جوهرها تقوم عقيدة جديدة: تعزيز الطلب المحلي من خلال الاستثمار في الإنسان. 

لنبدأ بالمعاشات التقاعدية. في وضعها الحالي، يُوزَّع الدعم الاجتماعي في الصين بشكل غير متكافئ؛ إذ يبلغ متوسط المعاشات في المناطق الريفية نحو 35 دولارًا فقط شهريًّا -أي أقل من 7% من مزايا المتقاعدين في المدن. لكن من المقرر أن ترتفع هذه المعاشات إلى نحو 85 دولارًا شهريًّا خلال ثلاث سنوات، ثم إلى قرابة 140 دولارًا شهريًّا خلال خمس سنوات. وتشير بعض التقديرات إلى أن هذا التغيير وحده قد يرفع الاستهلاك في نهاية المطاف بما يتراوح بين 5 و10 نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي. 

لكن هذه ليست سوى خطوة أولى. ففي ظل القيود التي تكبّل الاستهلاك -مثل ضعف توقعات الدخل، وارتفاع معدلات الادخار التحوّطي، واستمرار الضغوط على الميزانيات العمومية- فإن إقناع الأسر الصينية بزيادة الإنفاق سيعتمد بدرجة أقل على تقديم حوافز قصيرة الأجل، وبدرجة أكبر على تحسين توزيع الدخل، وتعزيز الأمان، وتوسيع الفرص في مختلف أنحاء الاقتصاد. ولهذا، سيكون على الصين تحويل تركيز استثماراتها من رأس المال المادي إلى الإنسان. 

وانطلاقًا من هذا الإدراك، تهدف الخطة الخمسية الخامسة عشرة إلى توسيع نطاق التعليم المجاني وزيادة عدد سنوات التعليم الإلزامي، وخفض تكاليف رعاية الأطفال، وتوسيع برامج التدريب المهني. علاوة على ذلك، تمهّد الخطة لإصلاحات في نظام «هوكو» (تسجيل الأسر) بما يسمح بدمج العمال المهاجرين بشكل أعمق في أنظمة الرفاه الحضري. كما تسعى إلى تحرير ثروة الأسر واستقرار تكاليف المعيشة من خلال إصلاحات الأراضي الريفية، وتحسين الإسكان العام، ومبادرات تجديد المدن. 

ولكي تشعر الأسر بالأمان الكافي للإنفاق بالحجم المطلوب، فإن توفير فرص أوسع لتراكم الثروة يُعدّ أمرًا أساسيًّا أيضًا. فبحلول عام 2025، بلغت القيمة السوقية لسوق الأسهم في الصين نحو 100 تريليون يوان (14.5 تريليون دولار)، أي ما يعادل حوالي 77% من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا يظل أدنى بكثير من النسبة التي تتراوح بين 100% و120%، وهي النسبة المعتادة في الأسواق الناضجة. 

إن توسيع أسواق رأس المال في الصين ليس مجرد ضرورة مالية بقدر ما هو ضرورة هيكلية واستراتيجية؛ نظرًا لأهميته في تقليل الاعتماد على رأس المال الخارجي. فهذه الأسواق توجّه المدخرات نحو قطاعات أكثر إنتاجية -ولا سيما الخدمات والصناعات عالية التقنية- كما تتيح للأسر فرصًا لاستثمار مدخراتها والمشاركة في خلق ثروة مستدامة. ومن ثم، فهي عنصر حيوي لتمكين التحول من الثروة القائمة على العقارات إلى الثروة المالية، ومن نمو تقوده الاستثمارات إلى طلب مدفوع بالاستهلاك. 

غير أن توسيع أسواق رأس المال في الصين، كما تُقرّ بذلك الخطة الخمسية الخامسة عشرة، سيتطلب إصلاحات مؤسسية عميقة تشمل تحسين أنظمة الطرح العام الأولي، وتعزيز حوكمة الشركات، وتشجيع توزيعات الأرباح وعمليات إعادة شراء الأسهم، وحشد ما يُعرف بـ«رأس المال الصبور» من صناديق التقاعد وشركات التأمين. وفي الوقت ذاته، فإن الانفتاح المالي التدريجي وزيادة مشاركة المستثمرين الأجانب سيسهمان في تعزيز عمق السوق ودرجة تكاملها. 

يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه السياسات ستترجم إلى زيادة ملموسة في الاستهلاك على المدى القريب. لكنها تمثّل بالفعل خروجًا عن نهج الخطط الخمسية السابقة، التي كانت تتعامل مع الاستهلاك بوصفه عنصرًا ثانويًّا مقارنة بمحركات النمو التقليدية مثل الاستثمار والصادرات. ويعكس ذلك تغيّر الظروف الخارجية، التي جعلت الاعتماد على الآخرين -في الطلب أو التكنولوجيا أو رأس المال أو الطاقة- مرادفًا للهشاشة. 

وفي وقت تتصاعد فيه التقلبات الجيوسياسية ويتزايد فيه تفكك النظام العالمي، فإن تبنّي الصين لنموذج يقوده الاستهلاك لا يهدف فقط إلى إعادة توازن النمو، بل أيضًا إلى ترسيخه بشكل أقوى داخل حدودها. فالطلب المحلي القوي يوفر قدرًا من الحماية من الصدمات الخارجية، ومع وجود أسواق رأسمال متطورة، يمكن أن يسهم بشكل كبير في تعزيز الاستقلالية. 

ومن هذا المنظور، يبدو المسار واضحًا. تسعى الصين إلى إعادة خلق -بطريقتها الخاصة- الظروف التي تمتعت بها بعض الاقتصادات المتميزة منذ زمن طويل: القدرة على تحقيق النمو من الداخل. 

 كيو جين أستاذ الاقتصاد في جامعة هونج كونج للعلوم والتكنولوجيا، ومؤلف كتاب «دليل الصين الجديد: ما وراء الاشتراكية والرأسمالية». 

 خدمة بروجيكت سنديكيت