لا تستطيع إسرائيل مغادرة عقلها الاستعماري مهما حاولت تقديم نفسها للعالم بأنها أكبر ديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط. حاولت بعد المجازر الفظيعة التي ارتكبتها في غزة خلال الأعوام الثلاثة الماضية تقديم نفسها في صورة مختلفة للعالم، حدث ذلك عبر سياق عسكري ودموي في إيران وفي اليمن وفي لبنان.. لكنها لم تستطع، وعادت لتكرس الصورة التي شكلتها الأجيال الشابة عنها في مختلف قارات العالم. كان عقلها الاستعماري الذي خرجت منه ونشأت في ذراه يخذلها دائما فتجد نفسها تجتر جرائم الاستعمار طوال التاريخ الطويل فهي تتحرك بنفس العقل إلا أنها استطاعت أن تستوعب كل أشكال وفنون الجرائم لتطبقها على الشعب الفلسطيني.
وآخر ما أنتجه عقلها الاستعماري المتوحش قانون يجيز إعدام الأسرى من الفلسطينيين! يعترض العالم على القانون لكن لا أحد يعير سمعا للاعتراضات التي لا تتجاوز السياق الخطابي. يقوم القانون الذي أقره الكنيست بعد محاولات كبيرة من اليمين المتطرف على مبدأ التمييز، وتوزيع العدالة بحسب الهوية. والقانون مبني على مقاس الأسرى الفلسطينيين الذين يحاكمون أمام المحاكم العسكرية المطعون في عدالتها دائما.
لا يحاكم القانون الجميع بالمعيار نفسه، ولا يعمل داخل فضاء قضائي متكافئ ولا ينطلق من تصور للعدالة يقوم على فكرة المساواة الكاملة أمام القانون، لكنه يتحرك داخل بنية ازدواجية، محكمة لفئة بعينها، ومسار قانوني مختلف لفئة أخرى، وضمانات متفاوتة، وعقوبة نهائية تهبط في النهاية على الطرف الواقع أصلا تحت الاحتلال والقهر وانعدام التكافؤ.
والقانون خطوة متقدمة تتجاوز فكرة الاحتلال والاستيطان وتغيير الوقائع على الأرض إلى مرحلة تمنح كل ذلك لغة قانونية، وتطلب من التشريع أن يضفي على التفاوت شرعية، وعلى الهيمنة صفة النظام. وهذه هي العلامة الأوضح على العقل الاستعماري المتوحش حين يدخل المؤسسة القانونية نفسها. فالقانون، في هذه الحالة، لا يقيّد القوة، وإنما يعيد إنتاجها في صورة أكثر رسوخا وأشد خطرا.
ويستخف هذا القانون بروح القانون الدولي وبمبدأ المساواة ويتعامل مع الفلسطينيين بوصفهم موضوعا لعقوبة قصوى داخل نظام غير متكافئ. وهذا أكبر سبب لرفضه رغم أن عقوبة الإعدام في حق أسرى كافية للاعتراض عليه والعمل على إبطاله.
ومرة أخرى فإن العقل الاستعماري يرى نفسه فوق سلطة القانون الدولي أو مبادئ العدالة والمساواة التي يفترض أن العالم يقوم عليها.
ويؤكد القانون أن إسرائيل ماضية في تثبيت نفسها أمام العالم بوصفها قوة فوق المساءلة، وخارج الحساسية التي تفرضها القيم الإنسانية الحديثة، وغير معنية بأن يكون القانون الدولي سقفا لسلوكها أو مرجعا لسياساتها. وهذه لحظة بالغة الخطورة، ليس على الفلسطينيين وحدهم، وإنما على معنى القانون نفسه حين يُترك في مواجهة دولة تريد استخدامه أداة للسيطرة لا معيارا للعدل.
مهما حاولت إسرائيل أن تبيض صورتها للعالم إلا أن عقلها الاستعماري يخذلها فلا تستطيع منه خلاصا، فيكشف وحشيتها الاستعمارية فتتكسر كل الصور التي تحاول رفعها لتغيير صورتها أمام الأجيال القادمة.