ثمة مقولة شهيرة للمفكر الاستراتيجي، ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق، هنري كيسنجر، حاضرة بقوة في خضم الأحداث الدراماتيكية التي تشهدها منطقتنا حاليا، وهي تلك التي يتحدث فيها عن «المسافة الاستراتيجية بين الطموح والانتحار». 

المعروف عن كيسنجر، أنه من أبرز مهندسي السياسة الدولية الذين عاصروا وساهموا بشكل مباشر في تشكيل النظام العالمي. 

وبما أنه يعد عراب السياسة الدولية، والشخصية النافذة التي قامت بتوجيه الأحداث السياسية، وهندسة التحالفات، وصناعة القرارات، وإدارة الأزمات وتوازن القوى، لذلك، تمثل أفكاره وتجاربه، مصدر فكر استراتيجي، خاصة في عصر الأزمات الكبرى الذي نعيشه الآن؛ إن فهم العلاقة بين الطموح والانتحار، وإدراك التوازن الدقيق بينهما، حكمة وعقل رشيد. 

توازن دقيق بين المفاهيم 

تعتبر الدولة في نظرية الألماني فريدريك راتزل، كائنا عضويا حيا ينمو، يتنفس، ويتوسع، في مجال حيوي جغرافي ضروري لبقائه. بيد أن هذا البقاء، يحفّز بعض الأنظمة، إلى تحقيق أهداف توسعية كبرى، أو تبني طموحات إقليمية جيوسياسية، أو الدفع باتخاذ قرارات مصيرية، أو الدخول في مغامرات غير محسوبة -وما أكثرها في هذه الأيام- دون امتلاك القدرة الفعلية لتحقيقها، أو لسوء تقديرها لقدرات الأطراف المنافسة، مما يضعها على حافة الانهيار أو الانتحار السياسي. 

ومع أن سعي الدول لتحسين ظروف بقائها، وتعزيز مكانتها وإمكانياتها، مسلك يفرضه مطلب تأمين مصالح الدولة الحيوية، إلا أن ذلك لا يستدعي الغرور؛ فالحكمة تقتضي دراسة الواقع بعمق، وعدم تجاوزه، وفهم التاريخ والجغرافيا جيدا، وعدم الاستهانة بهما، وإدراك طبيعة التوازنات الإقليمية، والتعامل مع مقتضياتها، وعليها قبل كل ذلك، إدراك حجم الدولة الحقيقي، والتيقن من عناصر وإمكانات قوتها الشاملة؛ الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، والجغرافية، والتحرك وفق واقعها، كما عليها إتقان المناورة، والبقاء في كل الأحوال ضمن الحدود الآمنة للقدرة الاستراتيجية. ببساطة شديدة، عليها الموازنة بين استثمار أوراق القوة، وبين تجنب تجاوز الخطوط الحمراء، التي قد تؤدي إلى الانتحار، أو تعريض الشعب والممتلكات للهلاك والدمار. 

طموحات غير محسوبة 

لقد أثبتت أحداث السنوات الأخيرة، أن الطموح بات سيد المشهد، وأنه يأتي على حساب أي شي آخر. ولأجل الطموح الزائد؛ فإن دولا صغيرة حاولت استنساخ تجربة أسبرطة، وعاثت فسادا بالمنطقة، وأخرى سعت لتكون الدولة المركزية، أو تصبح قوة متوسطة تحاول -على خلاف حجمها- توسيع نفوذها خارج جوارها الاستراتيجي، أو تتوق لتكون قوة إقليمية محورية، تطمح للزعامة، وترغب في بسط هيمنتها على حساب الدول الأصغر، بل حتى الدول العظمى لم تسلم من هذه الأخطاء. 

دفعتها العنجهية إلى الاعتقاد أنها القطب الأكبر والأوحد؛ تفعل ما تشاء، ومتى تشاء، وأن بإمكانها إكراه الدول الأخرى، وفرض إرادتها عليها، وتضرب في سبيل ذلك، بعرض الحائط بالنظام العالمي وقواعده، ولا تبالي بالقانون الدولي، ولا تعترف بالأعراف والمعاهدات الدولية. اعتقدت أن الأقوياء يستطيعون فعل ما في وسعهم، وأن على الضعفاء المعاناة، وتحمّل ما يجب عليهم تحمله. لقد أفرزت هذه الممارسات فجوة أخلاقية، قبل أن تكون خروقات قانونية، أو تعطيل للقواعد والسلوك التي تم على أساسها بناء النظام الدولي. 

وَهْم القوة 

التاريخ يعطي دروسًا شتى في حدود القوة. ومع أنه لا خلاف على أهميتها كإحدى أبرز نظريات العلاقات الدولية، لكنها حتما ليست المعيار الأوحد، ولا بالضرورة الأكثر تأثيرا! يعلمنا التاريخ أن السلام القائم على القوة غير مستدام، وبالتأكيد لا يصمد كثيرا، وأن عناصر القوة لكي تنجح لا بد أن تكون شاملة ومتناسقة، وتزداد فعاليتها عندما يتم توظيفها بذكاء، وتدمج عناصرها الصلبة مع الناعمة. 

لعل أبرز الدروس الحاضرة في وَهْم القوة تأتينا الآن من الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران. 

لقد سمحت الولايات المتحدة، وهي القوة العظمى، لقوة أصغر، وهي إسرائيل، بتشكيل استراتيجية أمنها الوطني، واعتقد الرئيس ترامب، بنهجه المتغطرس، ومنتشيا بالنتائج المحدودة بفنزويلا، أن حرب إيران ستكون نزهة أخرى له، وأنه لا يحتاج بالضرورة إلى استراتيجية وأهداف واضحة لشن حرب مع خصم عنيد كإيران، وأن نهجه «الفوضوي» يسمح له في مرحلة لاحقة برسم خطة لليوم التالي، كما اعتقد أن بإمكانه ضمان تبعية حلفائه من الدول متى ما دعت الحاجة لهم، وأن باستطاعته التأثير على الرأي العام، وإبقاء أي تداعيات محتملة للحرب تحت السيطرة. 

وكما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة، راهنت إسرائيل -وربما دول إقليمية أخرى بشكل غير مباشر- على خيار الحرب، ورأت في دخول قوة عظمى كأمريكا الحرب، فرصة تاريخية، واعتقدت خطأ؛ إما بطموحها الإقليمي، وإما رغبة في التخلص من التهديد الوجودي الذي تجزم أن إيران تمثّله عليها، أن الوقت قد حان، وأن عليها المجازفة، وبإمكانها أن تأمن العواقب، وأن النظام الإيراني منهك، وبات مصيره المحتوم، السقوط السريع وانهيار لأركان الدولة. 

لقد أثبتت الأحداث أن هذا التوجه لا يمثل مجازفة كبرى فحسب، بل تهديدا وجوديا للدولة، وللنموذج الاقتصادي الاجتماعي الذي اعتادت عليه. 

أما على الجانب الآخر، فلم تختر إيران الحرب، ولم تكن من بدأتها، لكن كان عليها الدفاع والتضحية. لا شك أن إيران تمكنت في سبيل ذلك، من المواجهة والصمود والتماسك، والتحكم بمضيق هرمز، الذي جعلها تتمتع بعنصري المبادرة والتأثير الاقتصادي، إلا أن للمواجهة والتحدي كلفة باهظة! نعم، قد تعطي الأيديولوجيا قدرة على تحمل الألم، وعدم الاكتراث بمزيد من الخسائر لإطالة أمد الحرب، ورفع الكلفة الاقتصادية، واستمرار الضغط لزيادة معاناة الأطراف الأخرى، بغية إعادة تشكيل المنطقة لصالحها، لكن نتيجة طموح كهذا تبقى مجازفة غير مضمونة، وقد تأتي عكسية، وتؤدي بنهاية المطاف إلى انتحار ذاتي. 

يقدم الوزير والمفكر الاستراتيجي كيسنجر نصيحة لصناع القرار بعدم تغليب منطق الانتحار على الواقعية، وتفادي الانجرار وراء طموحات غير محسوبة، ومجازفة تقود إلى دمار ذاتي. 

ومع أن الطموحات مشروعة، لكن بعضها قاتل! خاصة إذا تم بناؤها على استنتاجات عاطفية متسرعة، أو بإيحاء من أطراف لها أجندات شريرة. 

في الحرب الحالية على إيران، لا يلوح في الأفق أي نهاية قريبة للصراع. وكما يقال، الكل يلعب على حبل مشدود فوق بركان ثائر من الحمم والنار. المشكلة الأكبر، أن كل طرف يدّعي أنه المنتصر، ويعتقد أن شيئا من التصعيد، قد يؤدي إلى خفض التصعيد، وحسم الأمور لصالحه. لذلك، يضع شروطا تعجيزية، يطالب بثمن باهظ لإنهاء الحرب، ويرى أن لديه القدرة على فرض تسوية ترسخ هيمنته. المسافة الاستراتيجية بين الطموح والانتحار تبدو هذه الأيام ضئيلة، ورؤيتها ضبابية، وهنا تبرز ضرورة الحلول العقلانية، ومطلب الانحياز للواقعية. إن التضحية، أو الثمن الذي ندفعه اليوم لصالح السلام، استثمار للمستقبل قد يبدو باهظا اليوم، لكن ثمنه غدا رخيص جدا. 

ناصر الزدجالي محلل سياسي عماني