يقوم مؤشر الحرية الاقتصادية الذي يصدر بشكل السنوي عن مؤسسة (Heritage)
على الحق الأساسي لكل فرد أن يتحكم في عمله وممتلكاته في مجتمع اقتصادي يتيح له حرية العمل والإنتاج والاستهلاك والاستثمار ودون قيود أو إكراه.
وقد يكون هناك ارتباط - نوعا ما - بارتفاع مؤشر الحرية الاقتصادية بمستوى بيئة الأعمال والتنمية البشرية وزيادة معدلات ثروة الأفراد والقضاء على الفقر.
وإن كانت مؤسسة هيرتيج تعمل على تحليل السياسات والمؤشرات الاقتصادية على مستوى بلدان العالم، إلا أنه من خلال التقرير الذي أصدرته بتحليل نتائج المؤشر للعام (2026) يتضح جليا بأنها في أحيان كثيرة تؤيد سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. التقرير يمدح كثيرا تلك السياسيات التي ينادي بها الرئيس ومنها تأمين حدود أمريكا ومواجهة تهديد الصين.
كما أعطى زخما كبيرا للترتيب الذي وصلت إليه الولايات المتحدة الأمريكية وإن كان ليس بمرتبة عالية، حيث تراجع ترتيبها خلال السنوات الخمس الماضية، مع تربع كل من: سنغافورة، وسويسرا، وأيرلندا وأستراليا في المراتب الأربع الأولى على مستوى العالم.
ملخص التقرير لم يشر إلى المراتب العالية التي حققتها بعض الدول الخليجية، خاصة سلطنة عُمان التي كان معدل التغيير في مؤشرها لهذا العام يصل إلى (3.2) مقارنة بالعام (2025). كما يعد ثاني أفضل تغيير على المستوى العالمي والذي تجاوز التغيير الذي حققته الولايات المتحدة الأمريكية. مؤشر الحرية الاقتصادية أغلب مؤشراته الاثني عشر تتعلق بالجوانب الاقتصادية والقضائية وسيادة القانون والكفاءة التنظيمية، إلا أن المنحى السياسي الذي سلكته مؤسسة التقييم في توجيه انتقادات لاذعة للاقتصاد الصيني الذي احتل المرتبة (154) عالميا وبأنه اقتصاد مكبوت حيث يسيطر الحزب الشيوعي على النشاط الاقتصادي، ليس مهنيا، ويعطي أبعادا من الحيطة والحذر في منهجية استقصاء البيانات التي على أساسها يتم ترتيب الدول إذا ما علمنا بأن الاقتصاد الصيني يعد الثاني على مستوى العالم لكنه حل في مرتبة متأخرة جدا في هذا المؤشر.
حصلت سلطنة عُمان على ترتيب متقدم في مؤشر الحرية الاقتصادية الذي صدر في شهر فبراير من هذا العام، بحصولها على المرتبة (39) عالميا من بين (184) دولة على مستوى العالم وأيضا الترتيب الثالث خليجيا والرابع على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
سلطنة عُمان حصلت على درجة كلية بلغت (68.5) حيث تصنف هذه الدرجة الاقتصاد الوطني بأنه «حر إلى حد ما» كما تعتبر هذه الدرجة أعلى من المتوسط العالمي وأيضا من المتوسطة الإقليمي.
مؤشر الحرية الاقتصادية
يتكون من اثني عشر مؤشرا فرعيا موزعا على أربعة محاور رئيسة وهي: سيادة القانون، وحجم الحكومة، والكفاءة التنظيمية، والأسواق المفتوحة.
وبتحليل المحاور الأربعة التي يعتمد عليها المؤشر في قياس ترتيب الدول في الحرية الاقتصادية، نجد أن أفضل أداء لسلطنة عُمان كان في محور حجم الحكومة والذي يتضمن ثلاثة مؤشرات فرعية وهي: الأعباء الضريبية، والصحة المالية والإنفاق الحكومي. الأعباء الضريبية المقصود منها مستوى معدلات الضريبة على الأفراد والشركات والتي يتضح بأن الضريبة على الأفراد بمستوى صفر والضريبة على الشركات بمعدل (15%) التي تعتبر غير عالية قياسا بأغلب دول العالم. المؤشر الثاني وهو الصحة المالية والذي قد يشمل الملاءة المالية وهو ما يتعلق بحجم الميزانية ومعدلات الدين العام. من خلال الدرجة التي حصلت عليها سلطنة عُمان (97.5) يتضح التأثير الإيجابي للجهود التي بذلتها الحكومة في العمل على برامج الاستدامة المالية وتقليل معدلات الدين العام مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي على نتيجة المؤشر.
المؤشر الثالث يتعلق بالإنفاق الحكومي؛ هذا المؤشر يعتمد على مستوى التنمية بكل بلد ولا يحدد المؤشر مستوى أمثل لقياسه، ولكن قد يكون المقصد منه ألا يكون الإنفاق الحكومي هو المحور الرئيس الذي يعتمد عليه النمو الاقتصادي بحيث لا يكون عبئا على الحكومة؛ حيث إن الإفراط في الإنفاق الحكومي وخاصة غير الإنتاجي يقلل من الكفاءة في استخدام الأموال العامة. وبالتالي، فإن معدلات الإنفاق الحكومي خلال الخطة الخمسية الحادية عشرة يلاحظ بأنها متقاربة مع الإيرادات العامة للدولة.
المحور الثاني وهو الأسواق المفتوحة، وقد حصلت سلطنة عُمان على درجات جيدة، أعلاها في مؤشر حرية التجارة ثم حرية الاستثمار وثالثا الحرية المالية؛ حيث أشادت مؤسسة التقييم بمستوى التعريفات الجمركية المطبقة في سلطنة عُمان والجهود المبذولة لتوسيع مستوى الشفافية في الاستثمار وتبسيط الإجراءات وبورصة مسقط التي تتيح الاستثمار الأجنبي.
وعلى الرغم من ارتفاع ترتيب سلطنة عُمان بمعدل (19) مرتبة هذا العام عن ترتيبها العام الماضي، إلا أن درجات مؤشرات محور سيادة القانون وهي: حقوق الملكية، ونزاهة الحكومة والفاعلية القضائية جاءت أغلبها أقل عن التوقعات.
فرغم أن المنظومة القضائية في سلطنة عُمان مرت بمراحل تطويرية لترسيخ سيادة القانون، وأغلب الخدمات القضائية أصبحت إلكترونية فإن هناك تباينا بين الجهود التي تقوم بها الجهات القضائية وبين مدى التواصل الفاعل في تبادل البيانات والمعلومات التي على أساسها يتم تقييم درجة سلطنة عُمان في مؤشر سيادة القانون، وخاصة فيما يتعلق بفاعلية القضاء.
المؤشر الآخر في محور سيادة القانون يتعلق بالنزاهة الحكومية.
هذا المؤشر يقيس النزاهة في مستويات الرشوة والابتزاز والمحسوبية والواسطة والفساد والاختلاس، حيث إن تلك المستويات تقوض مستوى الحرية الاقتصادية. وقياسا على الجهود التي بذلتها الحكومة في مكافحة الفساد، يلاحظ بأن مؤسسة التقييم لم تكن عادلة في تقييم سلطنة عُمان في هذا المؤشر بالنظر إلى ما ورد بتقارير جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة وزيادة معدل الشفافية وذلك برفع التقارير السنوية في الموقع الإلكتروني للجهاز وباللغتين العربية والإنجليزية. أيضا صعود سلطنة عُمان في مؤشر مدركات الفساد بحصولها على الترتيب (50) عالميا في العام (2024)، كل ذلك يعطي دلالة على نجاح السياسات الحكومية في الحد من الفساد مع تجفيف منابعه.
المحور الرابع وهو الكفاءة التنظيمية يتضمن ثلاثة مؤشرات وهي: حرية العمل، والحرية النقدية وحرية الأعمال. حيث حصل مؤشر حرية العمل على الدرجة الأقل، ثم الحرية النقدية وحرية الأعمال اللتان حصلتا على درجات أفضل. مؤشر حرية العمل يقيس الإطار التنظيمي والقانوني لسوق العمل والحد الأدنى للأجور وحقوق تكوين الجمعيات والقوانين التي تمنع تسريح العمال.
نتوقع بأن مؤشر حرية العمل أو (العمالة) أعطى صورة لما يحدث في سوق العمل الوطني ومدى الحاجة إلى إعادة النظر في قوانين ولوائح العمل وخاصة تلك المتعلقة بالقطاع الخاص لرفع مستوى جاذبية العمل مع تعزيز فاعلية الأمان الوظيفي وتقليل معدلات التسريح للعمالة الوطنية في القطاع الخاص.
كما أن للبرامج والمبادرات المضمنة في الخطة الخمسية الحادية عشرة فيما يخص قطاع العمل والتشغيل أهمية من حيث دقة تنفيذ تلك البرامج التي سيكون لها تأثير في معدلات الاستبقاء الوظيفي للعمانيين بشركات القطاع الخاص.
وعكست المرتبة المتقدمة التي حصلت عليها سلطنة عُمان في مؤشر الحرية الاقتصادية التحسن في الأداء الاقتصادي بشكل عام. كما أن هذا المستوى يدعو الجهات الحكومية وفي مقدمتها وزارة الاقتصاد والجهات ذات العلاقة، بتحليل جميع مؤشرات الحرية الاقتصادية ورفع مستوى التواصل والتعاون مع مؤسسة التقييم (هيرتيج) لتوضيح الصورة الحقيقية لبعض المؤشرات خاصة: النزاهة الحكومية، وحرية العمل، والفاعلية القضائية والتي كانت درجاتها أقل عن التوقعات مقارنة بالجهود الحكومية، وذلك لتوضيح أوجه الخلل ومحاولة إيجاد الحلول المناسبة لتعزيز مستوى الحرية الاقتصادية التي يجب أن تتوافق مع السياسات الاقتصادية العمانية.
د. حميد بن محمد البوسعيدي خبير بجامعة السلطان قابوس