بيروت- وفاء عواد
عشيّة انتهاء شهر على اندلاع الحرب الإسرائيليّة على لبنان، والتي سجّل عدّادها في آخر تحديثاته: 1247 شهيدا، و3680 مصابا، واصلت إسرائيل عمليّة نزع الأقنعة عن أهدافها العسكرية، وتحديدا في الجنوب، والتي كان آخرها استهداف حاجز للجيش اللبناني، هو أول نقطة له من جهة الحدود، والنقطة الأخيرة التي يتموضع فيها بعد إخلاء مواقعه الحدوديّة في القطاع الغربي، وتحديدا في منطقة العامرية- جنوب صور، ما أودى بحياة الجندي علي حسين عجم، وأصاب 5 آخرين بجروح، بينهم ضابط برتبة رائد.
وبين غارات متواصلة، وخسائر بشريّة متزايدة، ورسائل إسرائيلية تصعيديّة عن "حرب طويلة"، طاول الاستهداف الإسرائيلي، وللمرة الثانية في أقلّ من 24 ساعة، دوريّة مشتركة تابعة للقوات الدولية العاملة في الجنوب "اليونيفيل"، على الطريق بين بلدتَي بيت حيان وطلّوسة، ما أودى بحياة اثنين من جنود الكتيبة الإندونيسيّة وإصابة عدد من جنود الكتيبة الإسبانية. أما بيان "اليونيفيل" فكان واضحا في تشديده على أنّ "الهجمات المتعمّدة على جنود حفظ السلام تُعدّ انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وقد ترقى إلى جرائم حرب". مع الإشارة هنا إلى أن رجال "القبّعات الزرق"، الذين شاركوا الجنوبيين الخبز والملح، كما الدمّ، ليسوا على قائمة التجديد لأوّل مرّة منذ 48 سنة، إذْ تتجه الأمم المتحدة إلى وضع "الخطّ الأحمر" على جنود كانوا يراقبون مسار "الخطّ الأزرق"، حيث تنتهي الحكاية الطويلة مع قوات حفظ السلام الدولية مع نهاية العام الجاري.
ومن بوّابة دائرة الاستهدافات الإسرائيلية، التي تتّسع من مواقع "حزب الله" إلى الجيش اللبناني غير المشارك في الحرب وقوّات حفظ السلام في لبنان "اليونيفيل"، في تحوّل يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، ليطول مؤسّسات يُفترض أنها محيّدة بموجب القوانين الدولية، متجاوزةً الأعراف والقوانين والأخلاقيّات المعمول بها في الحروب، ومعطوفةً على قول وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس: "سنقيم منطقة عازلة في جنوب لبنان، وسنبقي سيطرتنا على المنطقة بأكملها حتى نهر الليطاني"، فإنّ ما من مراقب أو متابع يملك تقديرا دقيقا لما يجري.
وفي القراءات السياسية، إشارة خطيرة إلى أن توسيع الفئات المستهدفة بالضربات الإسرائيليّة هو جزء لا يتجزّأ من خطّة إسرائيلية متعمّدة، لإفراغ المناطق وتحقيق سياسة "الأرض المحروقة"، تماما كما كان عليه المشهد في غزّة، ما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة. أما في القراءات العسكريّة، فإن إسرائيل تعمد إلى قصف مواقع الجيش اللبناني، بهدف "الترهيب والتهديد"، إضافة إلى استهداف دوريّات ومقرّات "اليونيفيل" في جنوب الليطاني، عن سابق تصوّر وتصميم، توازيا مع تقدّم قوّاتها في بلدات جنوبيّة، وفي خطوة تندرج ضمن مسار تصعيدي متواصل باتت تلّ أبيب تعتمده ضمن بنك أهدافها في لبنان. وبالتالي، هي تريد حريّة الحركة لقوّاتها، وترفض بقاء الجيش و"اليونيفيل" في مناطق عملها في الجنوب. ذلك أن المعركة في الجنوب لم تعد، في الحسابات الإسرائيلية، مجرّد جولة عسكرية قابلة للاحتواء، بل باتت مشروعا إسرائيليّا متدرّجا لإعادة تعريف الجغرافيا الأمنيّة للبنان. أما نهر الليطاني، فيُراد له إسرائيليا أن يكون خطا فاصلا بين جنوب مطلوب إخضاعه، وشمال إسرائيلي يُراد طمأنته بوعد استيطاني دائم.
أما الإشارة الثانية، الأكثر خطورة، فتكمن في التصريحات المسرّبة، عبر وسائل إعلام إسرائيلية، نقلا عن مسؤولين أمنيّين، والتي تؤكد نيّة إسرائيل البقاء في الجنوب اللبناني لأشهر، وربّما لسنوات. وذلك، تحت ذريعة عدم قدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح "حزب الله". علما أن بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية عادت إلى استخدام مصطلح "المستنقع اللبناني"، لوصف محاولات التوغل الإسرائيلي في الجنوب، مع اتهام حكومة بنيامين نتنياهو بإعادة البلاد إلى المربّع الأول بإصرارها على تنفيذ ما يُعدّ الغزو الخامس للبنان، بعد أعوام 1978 و1982 و2006 و2024.
وما بين المشهدين، فإن ثمّة من يرى في استهداف "اليونيفيل" رسالة تحذير لهذه القوّات بإخلاء مراكزها واستعجال رحيلها، وإنهاء مهامها التي تتعلق بالمراقبة والرصد ورفع التقارير، وهو ما يزعج إسرائيل من جهة توثيق الاعتداءات الإسرائيلية والخروق وغيرها.. أما على المقلب الآخر من الصورة، فإجماع داخلي على أن مصلحة لبنان المطلقة تكمن في التجديد للقوّات الدولية "اليونيفيل"، التي هي قوات حفظ سلام وليست قوات اشتباك. وذلك، منعًا للفراغ الذي قد ينجم عن انتهاء التفويض مع نهاية العام الجاري، والذي كان الثامن عشر من نوعه على التوالي، منذ أن أقرّ مجلس الأمن الدولي تعزيز قوّات حفظ السلام في جنوب لبنان، بموجب القرار 1701 الصادر بتاريخ 11 أغسطس 2006، والذي دعا حينها إلى وقف الأعمال القتالية بين "حزب الله" وإسرائيل، وإلى إيجاد منطقة بين الخطّ الأزرق ونهر الليطاني تكون خالية من أيّ مسلّحين، كما دعا لبسط الدولة اللبنانية سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية وفقا للقرارين الأمميّين 1559 و1680.