د. حكمت المصري
لم يكن الانتظار مجرّد وقتٍ يمر، بل كان وجعًا ممتدًا على مدار الأيام والليالي، ثقيلًا كالغياب، وباردًا كالأخبار المبتورة التي لا تكتمل. أمهاتٌ أرهقهنّ القلق، يفتشن في الوجوه عن ملامح أطفالهن، وفي الأخبار عن أي خيط يطمئن قلوبهن. آباءٌ يقفون على حافة الدعاء، بين الرجاء والخوف، لا يملكون إلا أسماءً يرددونها كل ليلة، علّها تعود إليهم مع الحياة. سنوات من الانتظار لم تكن صامتة، بل كانت مليئة بالأسئلة التي لا تجد إجابة، وبالقلوب التي تعلّمت كيف تخفق على إيقاع القلق.
وفي كل مرة يُفتح فيها باب، كانت الأرواح تسبق الأجساد، تركض نحو الأمل، ثم تعود مثقلة بالخوف من خيبة جديدة. كان الانتظار هنا... شكلًا آخر من أشكال الألم. فرحةٌ امتزجت بدموع الأمهات والآباء، وهم يستقبلون أطفالهم الذين عادوا بعد غيابٍ استمر لأكثر من عامين ونصف.
في السادس عشر من نوفمبر 2023، أعلنت وزارة الصحة في غزة إخلاء 31 طفلًا خديجًا من مجمع الشفاء الطبي إلى مستشفى تل السلطان في رفح، تمهيدًا لنقلهم إلى خارج القطاع لتلقي العلاج، في واحدة من أكثر عمليات الإجلاء حساسية وخطورة خلال الحرب. حينها، دعت الوزارة الأهالي إلى التوجه بشكل عاجل للتعرف على أطفالهم، وسط فوضى إنسانية غير مسبوقة، وانقطاع في الاتصالات، وضبابية في المصير.
قصص إنسانية: أمومة مؤجلة ولقاء بعد الغياب
لم تكن رحلة الأطفال طبية فقط، بل إنسانية بامتياز؛ إذ تركوا خلفهم عائلات لا تعلم إن كانوا على قيد الحياة. سندس الكرد، أمّ نجت لتجد ابنتها بعد عامين ونصف العام في شمال غزة، أُصيبت سندس الكرد بجروح خطيرة إثر قصف استهدف منزلها، بينما كانت في شهرها الثامن من الحمل. استُشهدت والدتها وطفلتها وشقيقتها وعدد من أفراد عائلتها، وظنّت أن طفلتها، التي أطلقت عليها اسم بيسان، قد فارقت الحياة لكن الحقيقة كانت مختلفة.
أجرى الأطباء لها عملية قيصرية عاجلة دون علمها، وأنقذوا الطفلة التي وُضعت في قسم العناية المركزة بمستشفى الشفاء، قبل أن تُنقل لاحقًا إلى مصر بعد انهيار قسم الخُدّج.
تقول سندس: "سنة كاملة لم أعرف أن طفلتي على قيد الحياة. كنت أظن أنني فقدتها كما فقدت أمي وعائلتي، كنت أتواصل مع المؤسسات الدولية للسؤال عنها، حتى علمت أنها في مستشفى العريش، عادت بيسان إليّ، وكأن الله ردّ لي الحياة من جديد".
وتضيف: "كنت أخشى ألا أتعرّف عليها لكن قلبي دلّني عليها. عندما حملتها، شعرت أن السنوات التي ضاعت عادت فجأة".
ويختصر أحمد الهرش حجم المأساة بقصته: "كنت أعتقد أن زوجتي وطفلي استشهدا بعد قصف منزلنا. لاحقًا علمت أن زوجتي أُصيبت وأنها أنجبت طفلًا قبل أن تفارق الحياة. لم أعرف عنه شيئًا حتى اليوم".
يصمت قليلًا، ثم يقول: "وُلِد ابني في أصعب أيام الاجتياح؛ كنا نرى الأجهزة تتوقف مع انقطاع الكهرباء، والأطباء يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه. عندما نُقل الأطفال للعلاج خارج غزة، شعرت أنني أسلّم ابني للمجهول، كنت أدعو الله ليلًا نهارًا أن يجمعني به. وعندما احتضنته، شعرت أن شيئًا من روحي عاد إليّ".
روان الوادية.. دموع اللقاء الأول
أما الطفلة شام فقد عادت لتلتقي بوالدتها روان الوادية لأول مرة منذ ولادتها. تقول الأم: "خرجت ابنتي من غزة وهي رضيعة، ولم أعرف إن كانت على قيد الحياة. بعد شهر تقريبًا، بدأت تصلني صور تؤكد أنها في مصر. كنت أعيش على تلك الصور أحدثها عبر الفيديو كلما توفر الإنترنت، وأحلم باليوم الذي أحتضنها فيه". وتضيف بصوتٍ يغلبه البكاء: "حين رأيتها شعرت أن جزءًا من قلبي عاد إلى مكانه".
شهادات من قلب الكارثة
يستذكر المدير العام لوزارة الصحة في غزة، منير البرش تلك اللحظات عبر صفحته على منصة إكس قائلًا: "كانت أرواحًا تذبل أمام أعيننا، الحاضنات توقفت، والدفء غاب، وكنا نحمل الأطفال بحثًا عن أي فرصة للنجاة". وأضاف: "لم تكن مجرد أزمة صحية، بل كارثة إنسانية مكتملة الأركان، معركة صامتة بين الحياة والموت داخل أروقة مجمع الشفاء".
رحلة الإجلاء.. إنقاذ على حافة الفقد
وسط تلك الظروف، جرى نقل الأطفال بشكل عاجل، في مشهد وصفه الأطباء بـ"الأخطر"، حيث أُخرجوا من الحاضنات ونُقلوا بوسائل بدائية، قبل تدخل جهات دولية لنقلهم إلى جمهورية مصر العربية عبر معبر رفح البري. ويقول الدكتور أحمد الفرا: "بعض الأطفال توفوا خلال تلك الفترة، وآخرون لاحقًا لكن من نجا خضع لرعاية مكثفة لأشهر طويلة".
عامان من الغياب وأطفال بلا ذاكرة
في مصر، كبر الأطفال بعيدًا عن أهلهم، تعلموا المشي والكلام باللهجة المصرية دون أن يعرفوا وجوه عائلاتهم. وعند عودتهم، بدت لحظات اللقاء الأولى غريبة ومؤلمة. تقول إحدى الجدات: "حفيدتي لم تعرفني لكنني عرفتها من ملامحها". وفي حالة الطفلة بيسان، تمسكت بطبيبها في البداية، رافضة أحضان عائلتها، في مشهد يعكس حجم الانفصال النفسي الذي عاشه هؤلاء الأطفال.
إنجاز إنساني وتحديات مستمرة
أكدت وزارة الصحة في غزة أن إجلاء الأطفال جاء نتيجة ظروف صحية بالغة الخطورة، مشيرة إلى أن عودتهم تمثل خطوة إنسانية مهمة، رغم استمرار الحاجة إلى رعاية خاصة ومتابعة طبية.
ولم تخلُ العودة من تعقيدات مؤلمة، أبرزها حالة طفلٍ يتنازع عليه أبوان، وسط تطابق في الروايات.
وتتابع الجهات المختصة القضية عبر فحوصات دقيقة، للوصول إلى الحقيقة.
وفي ذكرى يوم الأرض الفلسطيني، لم تكن هذه العودة حدثًا عابرًا، بل رسالة بأن الحياة ما زالت قادرة على الانتصار. هؤلاء الأطفال، الذين خرجوا من غزة على حافة الموت، عادوا إليها بعد عامين ونصف، لا يحملون ذاكرة المكان لكنهم يحملون انتماءه. وكما قال أحد الآباء: "قد لا يعرفنا الآن لكنه سيفتخر يومًا بأنه عاد إلى الوطن". ورغم كل شيء يعودون، تظل هذه الحكاية شاهدًا على أن الفلسطيني، مهما ابتعد، يعود. يعود كما تعود الجذور إلى الأرض وكأن الوطن، مهما أثقله الألم، لا يتوقف عن مناداة أبنائه.