إنَّ أهم ما بُنى عليه الحوار المعاصر هو «الشرط الديمقراطي»، وهذا الشرط.. لا يقتصر استعماله على المجال السياسي، وإنَّما يعني الممارسة الديمقراطية بكونها فعلاً يومياً. ولا يعني كذلك الديمقراطية الغربية، التي طوّرها الغرب في ظل ثلاث فلسفات كبرى: الفردانية، والعلمانية، والبرجماتية، وأطّرها بإطار قانوني، تمثل صلب العملية السياسية والممارسة الاجتماعية. فهذا نموذج يخص الغرب وحده، وفي سياق تجربته الثقافية الطويلة، وتحت ضغط تحولاته الاجتماعية، وإنْ كنا نرى الآن «كفرا بواحا» بها مِن قِبَل الإدارة الترامبية في أمريكا، والتي تنبئ بتراجع الحضارة الغربية. 

إنَّ ما أقصده بالحوار الإنساني بشرطه الديمقراطي هو الحوار الذي تتداوله الأطراف على أرضية مشتركة مِن التفاهم بينها، وهي أرضية تضيق وتتسع بحسب المكان والزمان ولكنها لا تخرج عن الثقافة التي تجمعها، فالمجتمع المسلم.. لا يعمل شرطه الديمقراطي في الحوار إلا في ظل ثقافته الإسلامية، فلا حوار بين المسلمين لنكران شيء «معلوم مِن الدين بالضرورة»، ولا حوار في الثقافة العمانية للتخلي عن هُويتنا. وهذا لا يعني عدم الحوار بين المجتمعات ذات الأرضيات الثقافية المختلفة؛ كالحوار بين الغرب المسيحي العلماني والشرق الإسلامي الحضاري، ولكن هذا له شرطه الفلسفي ما قبل الشرط الديمقراطي. 

بعد أنْ كان الحوار ينطلق مِن مسلّمات الفرد ومعتقدات الجماعة، لإقناع الآخرين بغية اعتناقها؛ أصبح عند مفكري عصر التنوير ينطلق مِن كونه مبدأً إنسانياً عاماً، تحكمه الأخلاق. والإنسانية.. لا تنحصر في الجوانب الوجدانية، والتي قد تتعالى إلى الجوانب العقلية؛ حتى تقتصر على النخبة المعرفية كالحكماء والأدباء والساسة ورجال الدين، بكونهم هم الأدرى بـ«وضع الأمور في نصابها». وإنَّما المبدأ الإنساني في الحوار هو تعميمه بين الناس، بشرط الالتزام الأخلاقي، طبعاً؛ مع توفر القدرة المعرفية وباقي شروط الحوار. وهذا ما أوجد مناخاً مناسباً للحوار الإنساني، بما في ذلك العلوم التخصصية، فلم يعد الطب -مثلاً- حكراً في مناقشة قضاياه على الطبيب.. بل بإمكان أي إنسان أنْ يتداخل معه بحواره وسؤاله عن جدوى عمله الطبي، أو عن الطريقة التي يتعامل بها مع مرضاه. ولم يعد المعلم وحده مَن يقوم بالعملية التعليمية.. بل أصبح يشاركه في وضعها ممثلو المجتمع؛ مِن الآباء والمثقفين والساسة والطلاب، كل أولئك تجمعهم طاولة الحوار بغية الوصول إلى أفضل طريقة تجعل مِن التعليم مؤديًا رسالته، وهكذا في باقي مناحي الحياة. 

هذا التحول في مفهوم الحوار، والذي ناضل مِن أجله فلاسفة النهضة الغربيون، هو الجذر العميق لمنح الفعل الديمقراطي الاعتبار، ومِنه انطلقت الديمقراطية لتصبح ممارسة عملية على نطاق عالمي، ليست في الشأن السياسي وحده، وإنَّما في كافة مرافق الحياة. ورغم أنَّ هذا المفهوم لم يكن اكتشافاً مُنْبَتّاً عن التاريخ، فقد كان له جذوره في الفلسفة اليونانية، إلا أنَّه في عصر التنوير كان العالم قد بلغ مرحلة مكنت مشروع الحوار الإنساني بمفهومه الحديث على الانتشار في كثير مِن بقاع الأرض، يقول اللبناني فارس ساسين (ت:2021م): (صار للحوار بصوَرِه الاجتماعية والعلمية والفلسفية أبعاد أساسية معرفية وأخلاقية.. لا بل غدا منهجاً ضرورياً لتوحيد المجتمعات الحديثة، ولإعادة ترميم العقل، ولردّ العقل إلى مركز صدارته في الفكر الفلسفي) «الحوار في الفكر الغربي». 

لم يقف مشروع الحوار الإنساني عند حد تعميمه.. بل أكد بعض الفلاسفة المتأخرين؛ على «الفعل التواصلي» الذي ينبغي أنْ يكون بين المتحاورين، ليس بوصفه أداة للحجاج، وإنَّما بقصد الوصول إلى بُنية اجتماعية جديدة تؤهل إلى العيش المشترك، يقول الألماني يورجن هابرماس(ت:2026م): (فالفعل التواصلي.. يقوم على الربط بين خطط مختلف الفاعلين، باستعمال القوة المحفزة عقلانياً التي تستلزمها أفعال اللغة الإنجازي، زد على ذلك؛ أنَّ الفعل التواصلي لا يقبل أنْ يعوض بممارسات مِن جنس آخر مهما يكن السياق، فإذا كنا نربي على سبيل المثال أبناءنا أو ندرّس طلابنا، أو كنا نسعى إلى إنعاش الروابط الاجتماعية بكيفية مشتركة، فإنَّنا لا نستطيع رفض الانخراط في هذه الممارسة التواصلية، وهذا يعني أنَّ إجراء الإدماج الاجتماعي وتحقيق الاتصال الثقافي والتكييف الاجتماعي أمور لا تتم إلا استناداً إلى الفعل التواصلي) «فهد الشقيران، العقلانية التواصلية». ومع ذلك؛ فهابرماس فشل في تجربة «تواصله الأخلاقي» بموقفه المؤيد لإسرائيل عام 2023م في حربها على غزة، إنَّها مفارقة التنظير والتطبيق النكدة! 

لقد كان للحوار الديني أهميته بكونه أحد عناصر تطور الحوار الإنساني في السياق الديمقراطي، ليس على مستوى التعارف في الحقل الديني ذاته فحسب، وإنَّما كذلك انتقل لشأن الحياة العامة؛ لاسيما إدارتها السياسية، في ظل تحولات المجتمعات نحو العلمانية، فاللقاء بين هابرماس والكاردينال الألماني جوزيف راتسنجر (ت:2022م) -الذي أصبح بابا الفاتيكان بندكتس السادس عشر- الذي جرى عام 2004م؛ يدور حول المأزق الذي وصلت إليه العلاقة بين الدين والعلمانية بتصاعد موجات العنف الراهنة، ومدى قدرتهما على صياغة أخلاقيات للدولة تتجاوز ما أنتجته الديمقراطية في زمنها الحداثي، إنَّه حوار فلسفي وليس جدلا يتنازع فيه على امتلاك الحقيقة، يلخصها قول هابرماس: (ذلك أنَّ للفلسفة أسباباً تحتم عليها أنْ تكون مستعدة للتعلّم مِن الوحي الديني) «هابرماس وراتسنجر، جدلية العلمنة». 

هذا الحوار الفلسفي كان مسبوقا بما قام به الألماني جورج هيجل (ت:1831م) مِن ديالكتيك فكري؛ أي «التفاعل بين الفكرة ونقيضها»، وبالتالي؛ شهد الحوار عنده نقله باتجاه الفكرة بدلاً مِن الشخص، وقد فسر بهذا المبدأ حركة التاريخ بأسرها، يقول عنه المؤرخ الأمريكي وليام ديورانت(ت:1981م): (إنَّ التاريخ عند هيجل حركة منطقية «جدلية»، وهو في الغالب سلسلة مِن الثورات، يستخدم فيها «المُطْلَق» الشعوب إثر الشعوب والعباقرة إثر العباقرة أدوات في تحقيق النمو والتطور نحو الحرية، إنَّ هذه العملية المنطقية «الجدلية» في سير التاريخ تجعل مِن التغيير مبدأ الحياة الأساسي، إذ لا شيء خالد، وفي كل مرحلة مِن مراحل التاريخ يوجد تناقض وتعارض، لا يقوى على حله سوى صراع الأضداد، والتاريخ هو نمو نحو الحرية وتطورها) «سلمان الشافعي، فلسفة التاريخ عند هيجل». و«صراع الأضداد».. ليس بالضرورة هو صراع الأبدان، وإنَّما هو بالأصل صراع الأفكار، وهذه نقطة ترسم وعياً في مسار الحوار نحو جعل البديل الديمقراطي ذي البُعد الفكري هو الأساس عن الصراع العنيف بين البشر نتيجة تشابك الحياة ومصالحها. اليوم.. لم يعد الحوار بشرطه الديمقراطي محصورا على الأساليب القديمة؛ بوجود أطراف متقابلة على «طاولة الحوار»، نعم؛ هذا موجود، ومجتمعاتنا بحاجة إليه، بيد أنَّها قد دخلت طرائق جديدة، لم تغيّر في أسلوب الحوار وشكله فحسب، وإنَّما أحدثت تحولا جذريا في منهج الحوار، وفي القضايا الكبرى التي تشغل الإنسان؛ فردًا وجماعةً ودولةً، وهذا حاصل نتيجة الثورة العظمى التي أحدثتها التقنية الرقمية، التي أخرجت العالم بأسره مِن تفكيره القديم إلى ما يعيشه الآن مِن تفكير، هو في أمس الحاجة إلى الحوار الإنساني وشرطه الديمقراطي. 

إنَّ مِن أهم ما حصل بدخول القرن الحادي والعشرين الميلادي؛ هو التواصل البشري الآني، والشامل لكل الفئات العمرية، وبين جميع الثقافات والأديان والأعراق، لقد انهارت الحواجز بين البشر؛ بما فيها اللغة. إنَّ التحدي الكبير الذي يواجه الإنسان اليوم هو الذكاء الاصطناعي؛ حيث أصبح هو الكائن الأقرب الذي نتحاور معه، في كل شاردة وواردة؛ مِن تنظيف الأسنان إلى الاعتقاد في الله. حوار لا نفعله نحن الراشدين فقط.. بل أبناؤنا وأحفادنا أسبق إليه منا. 

ختاماً.. إنَّ الحوار الإنساني بشرطه الديمقراطي لم يعد تأصيلاً فلسفياً، ولا ضرورة فكرية، ولا بُعداً أدبياً، وإنَّما ممارسة يومية سائرة، علينا أنْ نشتغل عليه تربوياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً. 

خميس العدوي كاتب عُماني مهتم بقضايا الفكر والتاريخ ومؤلف كتاب «السياسة بالدين».