زياد خداش
أعرف الشاعر الفلسطيني عبدالسلام العطاري منذ أكثر من 30 عاما، كان يعمل صحفيا في مكتب مقابل مكتبة خاصة كنت أعمل فيها بعمارة المكاتب برام الله، أتذكر ابتسامته الودودة وفلاحيته، وبساطته، ثمة أشخاص لا تحتاج معهم إلا إلى ابتسامة نحيلة لتصبحا صديقين فورا، العطاري من هذا النوع، يبتسم لك فيصبح قريبا من القلب، أتذكر قصائده التي كان يكتبها، ويقرأها لنا في ممر المكتبين، بتلقائيتها الآسرة، وعالمها الدافئ، كنت أعرف انتماءه إلى أحد الأحزاب الفلسطينية، لكن ذلك لم يؤثر على صداقاته للجميع. ترك عبدالسلام المكتب مع مجيء السلطة الوطنية الفلسطينية وذهب إلى وزارة الرياضة، ذهبت أنا (أو ذهب بي) إلى وزارة التربية والتعليم، وأصبحت مدرسا، ظلت علاقتنا متينة، نلتقي في الأمسيات والشوارع، وفعاليات الوزارة من معارض كتب وتحكيم جوائز وغيرها وفي جنازات الشهداء، نتصافح بحرارة، نسأل عن القصائد والقصص الجديدة ونضحك كثيرا، لكن صداقتي للعطاري أخذت منعطفا آخر أوسع حين انتقل إلى وزارة الثقافة الفلسطينية، وأصبح فيها مديرا عاما للآداب، اقتربت أكثر منه كصديق وموظف كبير في الوزارة، وكشاعر تطورت قصيدته وصار له فيها مساحته ولغته وفضاءاته الخاصة، إذن هذا سياق جديد لصداقتنا التي كانت تهزها أحيانا رياح مزاج المثقفين المعروفين (بالتفشش) في بعضهم بعضًا وفي وقوعهم الطفولي السهل في شباك الفتن والقيل والقال، لم يتغير هذا الشاعر الفلاح بل ازداد بساطة وتلقائية، وظلت ابتسامته ثابتة باتساعها وبراءتها، هي نفسها التي كانت في مكتب الصحافة.
لماذا أكتب هذا النص الآن؟ ألأتحدث عن كتابه الشعري الفاتن الجديد، (شيء يذكرني بي) الصادر حديثا عن دار الأهلية، أم لأنه ينتمي إلى مرحلة عزيزة على قلبي وهي مرحلة قراءة أول القصص والنصوص في ممرات المكاتب حاملين أكواب القهوة بأيدينا بعيدا عن وسائل التواصل الحديثة كالواتس والإيميل والماسنجر وإكس؟ أم لأني لم أجد أحدا بعده بابتسامته المسالمة التي لا تريد منك أي شيء سوى أن ترد عليها بابتسامة، (ثمة عشرات الابتسامات الآن تتدفق عليّ في الشارع وعبر الماسنجر والواتس، انتظر بعدها مطلب مرسلها، ولا يخيب ظني فأحزن، وأتذكر نقاء العطاري وأصدقاء آخرين،) أم لأن لأنه تقاعد ولم يعد في الوزارة ويعاني مثلي من انفضاض الأصدقاء وصمت الموبايل، أم لأنه يشبهني في صدمته برحيل والده العظيم، المتعلق فيه مثل تعلقي بأبي الراحل؟ لا أعرف والله، ربما أكتب من أجل كل هذه الأسباب. أبي كان يحب العطاري، كانا يلتقيان في معارض الكتب، وكان تعليق أبي تجاهه دائما هو: هذا زلمة أصيل.
المادة الصحفية هذه قصيرة فسامحوني لكن المشاعر جياشة والذكريات فوارة تجاه شاعر صديق لم نكن نذهب إلى الوزارة إلا لنجلس في مكتبه نثرثر ونضحك، ونقول ما نشعر به دون أقنعة ودون حتى تفكير.
(يلا على العطاري) يتصل صديق، فأوافق فورا، نصل هناك، ولا نحتاج إلى طرق بابه، فبابه ليس فقط مفتوحا، بابه أيضا يبتسم مثله.
في كتابه الجديد (شيء يذكرني بي)، يذهب العطاري إلى فضاءات الطفولة البيضاء حيث لا ألم ولا شك، لا وخوف، في تناقض تام مع أجواء الفقد والقلق والمرض وبشاعات الاحتلال التي هجمت على واقعنا الفلسطيني وما زالت. يلخص الناقد رائد حواري كتاب العطاري:
(الأدب الجيد لا يخضع لجنس بعينه، فيمكن أن يكون قصة، أو قصيدة، أو رواية، أو مسرحية، أو نصًّا نثرًا، في كتاب «شيءٌ يذّكرني بي» نجد صورة عن هذه الحقيقة، حقيقة الأدب الجيد، الممتع، المثير، المؤلم والمفرح، الأدب الذي يحلّق بنا إلى ما نَحِنّ إليه ونريده، وهل هناك أكثر حاجة من استعادة طفولتنا، استعادة أحبتنا الذين فقدناهم؟!).
يكتب العطاري فيما يشبه عتبة للنصوص:
(بين هذا الركام أبحث عن دمية كانت أمس للطفل الذي غادر الحي، الطفل الذي بات غريبا في وطن الصبا).
في صفحات الكتاب، شيء يذكرني يا عبدالسلام بنقاء الممر وبراءة النصوص بين المكتبين البسيطين.