لا شيء في الحرب عادي أو مألوف بالنسبة إلى من يعيشها ويدفع ثمنها. فهي في كل مرة خسارة بشرية وأخلاقية ومادية فادحة. لكن ما يجعل الحرب الراهنة أشد إرباكا أن الدمار الذي تسببه يتجاوز ساحات القتال ليؤثر في جوهر الانضباط السياسي والمعايير التي كان يفترض أن تفرض على القوة قدرا من الحدود. وكشفت هذه الحرب اتساع التصدع من التحالفات إلى اللغة السياسية نفسها التي تُبرَّر بها القوة وتُفهم بها حدود التضامن وضبط النفس.

نشأ النظام الدولي في ظل حضور طاغ للقوة، لكنه احتاج دائما إلى لغة موازية تتحدث عن القواعد والقيم والمبادئ والقانون والسيادة ومصداقية التحالفات. صحيح أن هذه المفاهيم لم تطبق في يوم من الأيام بعدل وأخفت دائما أكثر مما أوضحت؛ لكنها أدت -في الغالب- وظيفة لا غنى عنها. كانت تُلزم الدول بأن تفسر أفعالها باسم مبادئ تتجاوز المنفعة المباشرة. وكانت تُبقي فكرة أن القوة إذا أرادت أن تدّعي الشرعية، فعليها أن تُخضع نفسها لمعجم من الحدود.

وهذا النوع من الانضباط يتآكل في العالم على نحو متسارع.

كان النظام القديم مختلا منذ البداية: انتقائيا في أخلاقيته، وغير متكافئ في حماياته، ومرنا إلى حد المراوغة في تطبيقه للقانون. ومع ذلك، فإن تناقضاته نفسها كانت تفرض قدرا من الكبح.

كان النفاق في العلاقات الدولية دليلا على أن المعايير ما زالت تملك من السلطة ما يفرض الاعتراف بها. والأخطر من النفاق هو اختفاء الحاجة إلى أدائه أصلا. وهذا أقرب إلى الحالة التي تتشكل اليوم. فالمشكلة لم تعد فقط أن القوى الكبرى تتحرك بمعايير مزدوجة. المشكلة أن كثيرا منها لم يعد يرى ضرورة حتى لإخفاء ذلك.

ولا ينبغي الخلط بين هذا وبين الواقعية، فإنه انحطاط في فن الحكم.

كشفت الحرب الراهنة كثيرا من تجليات ذلك الانحطاط على نحو مباشر. فقد أظهرت أن أزمة النظام الدولي لا تكمن في مجرد اختلال موازين القوة، ولكنها تتجلى في تآكل اللغة التي تُحاكَم بها القوة نفسها. التحالفات التي كانت تصف نفسها يوما بأنها جماعات قيم تجد صعوبة متزايدة في تعريف معنى التضامن. وأعضاؤها لا يختلفون فقط على السياسات، بل على المبادئ الأساسية.

ولهذا تكتسب التداعيات الاقتصادية للحرب هذه الدلالة السياسية. فالصدمة التي أصابت الطاقة بفعل الاضطراب في مضيق هرمز ومحيطه تكشف خللا أعمق في الحكم السياسي العالمي.

الارتفاعات الحادة في أسعار النفط التي ترهق الاقتصادات، وكلفة الشحن، والتأمين، وتوقعات التضخم، والضغوط المالية، كلها وسائط ينتقل عبرها الخلل الاستراتيجي من ساحة القتال إلى الحياة اليومية للدول والمجتمعات البعيدة عنه.

ما زال البعض يتعامل مع اللحظة الراهنة بوصفها إعادة توزيع تقليدية للقوة: غرب يتراجع، ومنافسون يصعدون، ومشهد جيوسياسي أشد تفتتا. لكن هذا الوصف أضيق من أن يحيط بما يجري. فالمشهد العالمي يتشكل اليوم على نحو يتجاوز مجرد انتقال في النفوذ. نحن أمام انكماش في الشرعية. فالقوى الراسخة لا تزال تحتفظ بمدى عسكري واسع ونفوذ مالي هائل، لكنها لم تعد تحظى بالثقة نفسها في عالمية المبادئ التي تتحدث باسمها. والقوى الصاعدة توسع نفوذها. صحيح أنها لا تقدم نظاما عالميا أكثر إقناعا، لكنها تستفيد من تراجع قدرة المركز القديم على الإقناع والثقة.

وسرّعت الشعبوية هذا المسار. فتعاملت مع التحالفات بوصفها ترتيبات قابلة للتصرف، وفضّلت الاستعراض على الوضوح الاستراتيجي. والأخطر من ذلك أنها انتزعت من اللغة السياسية جديتها.

وهذا ما يمنح هذه الحرب ثقلا استثنائيا. فهي تجري في عالم أقل قدرة على فهم الحدود، وأقل استعدادا لاحترامها، وأضعف قدرة على ترميمها بعد انتهاكها.

ولا يكفي في مثل هذه اللحظات استدعاء لغة القيم بعد أن أُنهكت بالانتقاء، ولا الحنين إلى نظام قديم لم يكن وفيا لما ادعاه عن نفسه. ما يهتز اليوم هو الشرط الأساسي لأي قدر من الانتظام الدولي: أن تبقى القوة محكومة بحدود، وأن تبقى المصلحة قابلة للضبط، وأن يظل للتحالف معنى يتجاوز المنفعة الآنية.

تتحدد متانة النظام الدولي بقدرته على فرض حدود على الأقوياء، وعلى إضفاء معنى سياسي على الوقائع. وحين تتآكل هذه القدرة تغدو الحرب حالة تعيد تنظيم السياسة نفسها. وهنا يكمن الإنذار الحقيقي في هذه اللحظة: أخطر ما في هذه الحرب هو نوع العالم الذي قد تجعل قبوله أمرا عاديا.